من الصفات السائدة عن المجتمعات الإنسانية الحالية، أنها ذات طبيعة استهلاكية بالدرجة الأولى. وأن علاقات البشر فيها فردية بامتياز. لكن الأستاذ والباحث الاجتماعي، جاك ت. غودبو، يؤكد أن فضيلة العطاء لا تزال تحتل مكانة مركزية في المجتمعات المعاصرة. هذا ما يشرحه في كتابه الأخير: "الهبة والديون والهوية".
المسألة الأساسية التي يبحثها المؤلف في الكتاب، تتعلّق بنمط العلاقات القائمة بين البشر، ومكانة الهبة في المجتمعات إلى جانب السوق والدولة. ويوزع مواد العمل بين قسمين رئيسيين: الهبة داخل منظومة القرابة، الهبات المكرّسة لأجانب.
يطرح المؤلف في بداية تحليلاته، أسئلة مفادها: لماذا تحدث أمور كثيرة، حتى في مجتمعاتنا، من خلال الهبة، العطاء؟ ولماذا لا تزال الهدايا في صميم علاقاتنا؟ ولماذا لا يزال للعطاء والهبات عادات محددة وطقوس ثابتة؟
وفي مقدمة الكتاب يشرح المؤلف، أن الهبة هي عبارة عن "ظاهرة تخص علاقات البشر". ويبحث عن سلسلة من أشكال العلاقة بين مفاهيم تتعلّق بآليات الروابط بين البشر. وكذلك يبحث في العلاقة بين الروابط الاجتماعية وبيرقراطية الدولة، وبين السوق والشبكات الاجتماعية، وفي مقدمتها مجموعة الشبكات القائمة على الروابط العائلية.
وفي باب "العطاء" و"المنح"، يرى المؤلف أن هناك علاقات اجتماعية حميمة في أشكال من العطاء، مثل تلك التي تخص العطاء لغرباء وعطاء الأعضاء البشرية للذين يحتاجونها. وفي جميع الحالات يرى المؤلف أن المهم هو دراسة مفهوم العطاء والهبة، من دون أن يغيب مدلول فعل العطاء.
ومن السمات الأساسية التي يحددها المؤلف لمفهوم الوهب والعطاء، هو أنه يقوم على مبدأ عدم انتظار أي مكسب بالنسبة للواجب.. ولكن الفائدة تعود إلى المتلقي. ويشير الى أن "أسوأ أنواع الهبات"، هي تلك التي تخفي وراءها، منطقاً تجارياً أو تأخذ النموذج الموديل- التجاري كـ"قدوة". كما يرى المؤلف أن اللجوء إلى الاستدانة يمثل سلوكاً شائعاً في العلاقات بين البشر.
وفي القسم الأخير من الكتاب، يشرح بالتفصيل، ما يسميه : العفوية والحرية في العطاء والوهب، بحيث يمكن المنح والتلقي والعطاء المقابل. ذلك أن كل عملية وهب وعطاء، هي قفزة في المجهول، بعيداً عن أية محددات مسبقة.
وفي المحصلة، يصل المؤلف إلى القول: إن "هوية الفرد" تتكوّن عبر منطق تحديد الحرية الفردية، في إطار العلاقات الاجتماعية. ذلك أنه لا يوجد تكافؤ، ولا يوجد تجانس بين من يعطي ومن يتلقّى. وعلى غرار الهبة والعطاء، يرى وجود إمكانية لتطبيق المنطق ذاته، على العديد من الأفعال الكبرى التي يعيشها البشر في علاقاتهم.
ويخلص المؤلف، أخيراً، ومن خلال دراسة العديد من الحالات المأخوذة من الواقع، إلى نتيجة مفادها أن الإنسان ليس "كائناً اقتصادياً"، حسب النظريات السائدة لعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع القائم على مفهوم المنفعة. بل إنه: الإنسان، هو بالأحرى "كائن معطاء"، مدفوع بنزعة "العطاء" أكثر من "الأخذ".
المؤلف في سطور
جاك ت. غودبو، أستاذ- باحث في المعهد الوطني الكندي للبحث العلمي التابع لجامعة كويبك الكندية. وهو عضو هيئة تحرير في "مجلة موس" السوسيولوجية. من مؤلفاته: روحية الهبة. ويصنف كأحد أفضل المتخصصين العالميين في مجال "سوسيولوجية الهبة".
الكتاب: الهبة والديون والهوية
تأليف: جاك ت. غودبو
الناشر: لوبو دو لو- لورمون (فرنسا)- 2013
الصفحات: 160 صفحة
القطع: الصغير
Le don, la dette et lصidentité
Jacques T. Godbot
Le Bord de lصEau ذ Lormont (France)- 2013
160 pp
