ظواهر كبرى كثيرة، شهدها العالم على الصعيد الاقتصادي، خلال العقود الأخيرة المنصرمة، من بينها بروز عدد من البلدان على المسرح الدولي، على قاعدة ما حققته من تنمية، بحيث أطلقت عليها تسمية "الدول الصاعدة". وفي مقدمتها، العملاقان الآسيويان: الصين، الهند.
وهذه الأخيرة، أي الهند، هي موضوع كتاب باحثين اقتصاديين مرموقين: جان دريز، امارتيا صن. والاثنان يحملان بأعماقها هوى كبيراً للهند. ذلك أنهما مواطنان هنديان، أحدهما: امارتيا صن الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، مواطن هندي بالولادة والانتماء. والثاني: جان دريز، مواطن هندي ذو أصل بلجيكي، حصل على الجنسية الهندية عام 2002.
يقدم المؤلفان في عملهما المشترك، توصيفاً عميقاً للتجربة الهندية الصاعدة خلال العقود الأخيرة، مع تركيزهما على دراسة ما تحمله هذه التجربة من تناقضات تجعل "المجد الهندي موضع تساؤل"، كما يشير عنوان الكتاب. المسألتان الأساسيتان اللتان يوليها المؤلفان اهتمامهما، تتمثلان في "حدّة التباين الاجتماعي" و"الإمكانات المتاحة أمام المواطنين الهنود".
وضمن هذا الإطار، يتعرّض المؤلفان بالتحليل، على مدى العديد من صفحات الكتاب لواقع "اللامساواة العميقة"، التي ترسّخت في النظام الهندي بعد الاستقلال. ومحاولة البرهان على أن مثل هذا الواقع، يشكل عائقاً حقيقياً أمام تطوير الكفاءات الإنسانية العالية، التي تمتلكها البلاد.
يشرح المؤلفان، أن الهند عانت على مدى قرنين كاملين، من الهيمنة الإمبريالية البريطانية. وشكّلت العصب الرئيسي للإمبراطورية البريطانية في شبه الجزيرة الهندية. إذ نالت استقلالها السياسي عام 1947، وتبنّت منذ ذلك الحين، توجهاً ديمقراطياً، كما أراد لها الآباء المؤسسون، وفي مقدمتهم المهاتما غاندي. وهكذا أُطلقت على الهند تسمية "أكبر ديمقراطية في العالم".
يحدد المؤلفان مشربين أساسيين تواجه فيهما الهند فشلاً كبيراً، ويخصان مجالي التربية والصحة، الحاسمين في منظور المستقبل. وذلك على خلفية الواقع الذي يوصف في هذين الحقلين. ويصل المؤلفان إلى القول، إن مئات الملايين من الهنود لا يزالون يعيشون في أحضان البؤس.
وتدل الإحصاءات المقدّمة، على واقع "الانقطاع المتكرر للكهرباء" وكون حوالي 400 مليون هندي لا يزالون محرومين أصلاً من الكهرباء في منازلهم. وكذا أن تمديدات الصرف الصحي وكل البنى الخاصة بالوقاية الصحية، لا تزال في غاية التخلف، خاصة في المناطق الشمالية من الهند. وغير ذلك الكثير.
يشرح المؤلفان، أن واقع "التباين الاجتماعي الكبير"، بوجود فئة قليلة من أصحاب الامتيازات الميسورين، ونسبة كبيرة من الذين يعانون من الفاقة والبؤس، يجد أصداءه على المستوى الصحي في الهند. فمن جهة ينتشر مرض السكّري لدى الهنود الأثرياء، بينما يعاني الفقراء منهم، سوء التغذية وفقر الدم.
ما يؤكده المؤلفان هو أن النظام الهندي السائد، منذ نيل البلاد استقلالها عام 1947، يسمح بوجود التفاوت الاجتماعي القائم، وبنشوء "بنية تراتبية" من الأسفل إلى الأعلى، وبترسيخ واقع التقسيم بين مختلف الفئات الاجتماعية. والوجه الآخر لهذا كله استشراء الفساد على مختلف المستويات.
الكتاب: مجد يثير التساؤلات: الهند وتناقضاتها
تأليف: جان دريز، امارتيا صن
الناشر: آلن لين - لندن 2013
الصفحات: 448 صفحة
القطع: الكبير
An uncertain glory
Jean Dreze, Amarita Sen
Allen Lane ذ London ذ 2013
448 pp.

