عندما يبدأ الحديث عن أميركا، يقفز إلى الذهن مباشرة، ما عُرف بـ"الحلم الأميركي". لكن هذا الحلم ارتبط واقعياً بذلك النظام الاجتماعي. وذلك النظام انهار، كما يشرح الصحافي والكاتب الأميركي، جورج باكير، في كتابه الجديد: "التفكك.. تاريخ حميم لأميركا الجديدة".
"أميركا الجديدة" التي يقصدها المؤلف، هي بالتحديد التي تعاني من اضطرابات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة. وفي الوقت نفسه، جرى تقويض أسس الديمقراطية الأميركية مع زيادة سطوة الرأسمالية، بنسختها الليبرالية الجديدة. هذه الليبرالية التي اكتسبت فيها بورصة "وول ستريت" وأسواق المال، سلطة حقيقية.
فأدّى ذلك كله، كما يشرح المؤلف، إلى أزمة اقتصادية ومالية انطلقت في خريف عام 2008. ووصل اتساعها إلى حد لم تشهد مثله الولايات المتحدة الأميركية، منذ ما يُعرف بـ"الكساد الكبير"، الذي رافق الأزمة التي نشبت في نهاية سنوات العشرينيات وأوائل الثلاثينات من القرن الماضي، العشرين.
إذا كانت المادة الرئيسية لهذا الكتاب، تكمن في تحليل الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي آلت إليها أميركا. فإن مؤلف الكتاب يعتمد في تحليلاته على عدد من النصوص الأدبية الشهيرة.
وهذا ما يعبّر عنه بوضوح في جملة مفادها: "رغم أن الكتاب الحالي ينتمي إلى ميدان الدراسات، من أول سطر إلى آخر سطر فيه، فإنه مدين بالوقت نفسه إلى عمل أدبي جرى نشره في سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، ويتمثل في الثلاثية التي كتبها جون دوس باسوس، عن الولايات المتحدة، والتي انتظرت طويلاً كي تجد من يعطيها نفحة راهنة".
إن مؤلف الكتاب يستقي الكثير من تحليلاته بالاعتماد على عدة أنواع. وعلى إثرها في العالم الرأسمالي عامة، سنة 1929، واستمرّت سنوات، أدّت عبر تبنّي برنامج "الإصلاح الكبير"، إلى إنتاج منظومات ضبط كان منها أن منعت البنوك من أن تفعل ما تريد بالأموال التي يودعها لديها الأميركيون، حسب التعبير المستخدم.
ويشير المؤلف الى أن "منظومات الضبط" تلك، ترافقت مع تبنّي إجراءات رقابة صارمة على نشاطات أسواق البورصة. وتلك الآليات كلها، وجدت ثمرتها بعد الحرب العالمية الثاني. إذ عرفت الولايات المتحدة ما يسميه المؤلف "العصر الذهبي للحياة الاقتصادية الأميركية". وخرجت أميركا من تلك الحرب منتصرة و"غير مخرّبة" مثل أوروبا. وعرفت، أي الولايات المتحدة، أن تتبوأ مكانة قوة عظمى لفترة عقود عديدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي المحصلة، ورغم اللوحة "القاتمة" التي يرسمها المؤلف للوضع الأميركي الراهن، فإنه يرى مؤشرات عديدة، تسمح بالقول : "ربما أننا أي الأميركيين- في فترة بزوغ فجر جديد.. سيرى القوة الإبداعية الهائلة لأميركا واسترداد حسّها الحي بالديمقراطية". وهذا كله في منظور حياة أفضل بالنسبة للمواطنين الأميركيين. ويبقى الخط الناظم لموقف المؤلف في "أميركا الجديدة"، كما يراها، دفاعه عن الأميركيين الفقراء.
المؤلف في سطور
جورج باكير، صحافي وروائي وكاتب مسرحي أميركي، يعمل في صحيفة "نيويوركر" عن السياسة الخارجية الأميركية بصورة عامّة. من مؤلفاته:" دم الليبراليين" و"قرية الانتظار" و"أزمنة هامّة: كتابات عن عقد مضطرب"...الخ.
الكتاب: التفكك، تاريخ حميم لأميركا الجديدة
تأليف: جورج باكير
الناشر: فيرار وستروس وجيرو- نيويورك 2013
الصفحات: 448 صفحة
القطع: المتوسط
The unwinding
George Packer
Farrar, Strauss and Giroux ذ New York ذ 2013
448 pp.
