يشتهر البريطانيون، أنهم شعب "بارد" وأنهم لا يبدون عواطفهم وانفعالاتهم. ولكنهم شعب "مؤدّب"، يتحلّى بقدر كبير من اللطف واللباقة. ولديهم آداب سلوك خاصة بهم. هذا ما يؤكده الصحافي والكاتب البريطاني هنري هتشنغ، في كتابه الذي يحمل عنوان: "آسف، الإنجليز وآداب سلوكهم".
في هذا الكتاب يقدم المؤلف توصية، وجرداً في الوقت نفسه، لـلعادات التي يتفرّد بها الإنجليز"، وما يسميه المؤلف "آداب السلوك" عندهم. وهي آداب سلوك تتعلق بمائدة الطعام وطريقة التوجّه بالكلام للآخرين. وكيفية إمضاء الليلة الأخيرة من العام.. واستقبال اليوم الأول من العام الجديد. وفي الإجمال، يشكل الكتاب، دراسة سوسيولوجية وثقافية لـ"نمط سلوك البريطانيين"، في مختلف المواقف.
وفي مواجهة المقولة السائدة، بأن البريطانيين أضاعوا الكثير من نقاط العلاّم ومن المرجعيات، في مجال التقيّد بآداب السلوك، يؤكد هتشنغ، أنه يحتجّ بقوة على مقولة إن آداب السلوك هي في تقهقر مع مرور الزمن.
وهو يميل بالأحرى إلى فكرة مفادها أن "وجود علاقات اجتماعية جديدة يستدعي بالضرورة، قوانين وآداب سلوك جديدة". وبناءً على مثل هذه المقولة، يرى انه يمــكن توصيف العادات والتقاليد الراهنة، بأنها أكثر تعقيداً من أية فترة سابقة من التاريخ، وهذا يصحّ على بريطانيا كما على بقية بلدان العالم.
لكن المؤلف يركّز على دراسة "آداب السلوك" لدى الشعب الإنجليزي. ويحدد بداية الفترة التي يدرسها في هذا المضمار، بالعصور الوسطى. ومن ما يكتبه عن تلك الفترة" إذا كنتم تعيشون في انجلترا خلال القرن الثالث عشر، فإن مقر سكنكم سيكون مفتوحاً لتيارات الهواء وللدخان.. وربما يحدث أن تستضيفوا عندكم شخصاً لا تعرفونه (...).
ولم يكن هناك الكثير من الممنوعات، وحيث كانت راحة اليد تحل محلّ المنديل.. في القرن السادس عشر، نصح أحد متخصصي (آداب السلوك) بعدم النظر إلى ما يخرج من الهاتف عند استخدام المنديل. .وكأن جواهر وعقيقاً نزلت من الدماغ".
يشير هتشنغ إلى أن الكنيسة لعبت دوراً مهماً في بريطانيا، من أجل ترسيخ بعض التعليمات الأخلاقية، التي جرت ترجمتها بالدعوة إلى تبنّي سلوكيات محددة في إطار نوع من قواعد آداب السلوك. ثم انتشرت تلك التعليمات، وما ترتب عليها من قواعد على الصعيد الاجتماعي الواسع، بواسطة توزيع الكتب والمنشورات.
تلك القواعد كلها جرى تأطيرها في قوانين للــسلوك على مدى مئات السنين، بحيث أصبح من العفوي والطبيعي التقيّد بأفعال أو قواعد تخص الوقاية والانضباط، وهو ما شكل نوعاً من قاموس السلوك، مثل استخدام المنديل في "التف والنف" وليس راحة اليد.
قواعد السلوك هذه أصبحت "إلزامية"، حسب المؤلف، مع ما يمكن أن يتضمّنه هذا من "الحد من الحريات، والدعوة إلى فرض رقابة صارمة على الرغبات والنزوات". ذلك أنه إذا لم نسيطر على رغباتنا فإنها هي التي ستسيطر علينا، كما يكتب المؤلف. ومن هنا تبرز أيضاً أهمية فرض معايير للسلوك المؤدّب في كل ما يتعلق بالحياة اليومية، ابتداءً من التقيد بـ"آداب المائدة"، وحتى التعامل مع الآخرين وتقاليد الضيافة ومختلف الميادين الأخرى.
والتقيد بآداب السلوك، "الايتيكيت" حسب التعبير الشائع عالمياً، يعني الربط بين اللغة والعادات والدلالة الأخلاقية، لكن هذه القواعد تختلف، كما يشرح المؤلف، بين أمّة وأخرى. وهكذا يرى أن الإنجليز لا يستخدمون اللغة الفضفاضة. ويلجأون إلى الإجابات غير المباشرة، تحت باب "الأدب". وما يراه الآخرون نوعاً من "الغموض".
ومن ما يردده الإنجليز، تعابير مثل: "كما يبدو" و"احتمالاً" و"من الممكن" و"ربما". وسلسلة أخرى من المفردات التي يذكرها المؤلف، وتصبّ كلها بـ"توخي اللباقة" في الحديث و"عدم صدم" الآخر. لكنها تفتقر كلها الدلالات المحددة.يشير المؤلف إلى أن "إظهار الأدب في السلوك"، يمكن أن يغدو وسيلة لتأكيد التفوّق الاجتماعي. كما أن "التأدب البارد المفرط" يحتمل أن يلعب دور السلاح القاطع.
ويقدم المؤلف في هذا السياق، عدداً من الأمثلة التي يعود الأول منها إلى عام 1799، طبقاً لما ينقله المؤلف عن "قاموس اكسفورد الإنجليزي". ويلفت أيضاً إلى أن الشعر الإنجليزي نفسه، "يفرط" في إظهار "التأدّب" و"الكياسة"، والظاهرة تشمل الأدب الانجلو- سكسوني كله.
إن الإنجليز يتجنّبون عامة، "الكلام الصريح"، ربما باستثناء "دوق ادنمبره"، الذي قال ذات يوم، للرئيس النيجيري بزيّه الوطني الذي يشبه كثيراً ثياب النوم، ما مفاده: "يبدو أنك على أهبة النوم".. كما ينقل المؤلف. ويشير إلى أن آخرين فكّروا بالطريقة ذاتها، ولكن لم يخطر في بال أحد منهم، أن يقول مثل تلك العبارة التي لا تتفق مع "آداب السلوك البريطانية".
يكرّس المؤلف عدداً من صفحات الكتاب للحديث عن "تطوّر الشخصية الإنجليزية"، من وجهة نظر تاريخية. ويصف الإنجليز، أنهم كانوا "أنيقين" و"يظهرون بألوان زاهية، في عهد اليزابت الأولى، لكنهم غدوا في القرن الثامن عشر، "مبتذلين" و"مدمنين على الكحول". ثم تحوّلوا في زمن الكاتب جورج اورويل، إلى مثال شهير لـ"الأدب"، حتى "على مقاعد المتفرجين في ملاعب كرة القدم".
وكان الإنجليزي يقف "منضبطاً في الصف" حتى لو كان وحده. ولكن الصورة اختلفت في السنوات الأخيرة، و"ربما" أنهم عادوا من جديد إلى "فقدان الأدب"، الأمر الذي يكفي للبرهان عليه، رؤية بعض مشاهد برامج التسلية سينما الواقع- البريطانية.
وما يدل على "الأدب" هنا يمكن أن يكون خارج قاموسه هناك. وفي العموم، نتبين في الكتاب، أن المؤلف يقرّ بأن اهتمامه في "آداب السلوك"، يندرج في سياق تاريخ طويل للموضوع. ذلك أن التاريخ العالمي لهذه الآداب، يعود إلى مرجعيات قديمة.. ويرى أن حكيم الصين الكبير كونفوشيوس، أحد أهم ممثليها، وهذا مروراً بالخطيب الروماني الشهير شيشرون، ووصولاً إلى مستلزمات "الأدب" التي أكّدت عليها الحضارة الإسلامية منذ البداية.
المؤلف في سطور
هنري هتشنغ. صحافي وكاتب بريطاني. يسهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات الإنجليزية والأميركية. وهو ناقد مسرحي في مجلة "لندن ايفننغ ستاندارد". من مؤلفاته: قاموس السيد جونسون، الحياة السريّة للعالم، حروب اللغة.
الكتاب: آسف، الإنجليز وآداب سلوكهم
تأليف: هنري هيتشينغ
الناشر: جون موراي- لندن 2013
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط
Sorry, the English and their manners
Henry Hitchings
John Murray ذ London ذ 2013
400 pp.

