هناك مثل شائع، مفاده "من شبّ على شيء شاب عليه". وإذا كان مثل هذا القول ينطبق كثيراً على أشكال السلوك والتعامل مع الآخرين، فإنه صحيح أكثر بالنسبة للعادات المكتسبة على صعيد الحياة اليومية، بحيث إن صاحبها يقع تحت سطوتها. هذا ما يشرحه الصحافي الأميركي شارل دوهينغ، في كتابه الذي يحمل عنوان "سلطان العادة". وهذا الكتاب احتل مكانه مهمة، لأسابيع طويلة، في قائمة الكتب الأكثر انتشاراً لصحيفة "نيويورك تايمز".
الموضوع الرئيسي الذي يتناوله المؤلف، محاولة تقديم شرح علمي لآليات تكوّن العادات، وكيفية تحكمّها بأصحابها وسرّ وجودها أصلاً. ولكن أيضاً، كيفية تهذيبها وتحويلها، بل وربما تغييرها.
ومن الأمثلة التي نقرأها في الكتاب، كيف أنه استطاعت امرأة شابّة عملت مع مختبر للعلوم العصبية، في خلال عامين، أن تغيّر بصورة جذرية، العادات التي كانت تتحكم في سلوكها ونمط حياتها. إذ أقلعت عن التدخين وشاركت في سباق الماراثون ضمن منطقتها. وترّقت على صعيد السلّم الوظيفي. ويدرج المؤلف هنا ما يؤكّده المتخصصون في علم الأعصاب، أن التغيّر الأساسي جرى داخل دماغ السيدة المعنية. والوصول إلى نتيجة مفادها أن العادات "مسكنها الدماغ الإنساني".
يؤكد المؤلف بأشكال كثيرة في هذا الكتاب، أنه من الصعب جداً تفسير آليات تكوّن العادات الإنسانية، لافتاً أيضاً، إلى أنها راسخة ومتأصّلة في النفوس وفي الكينونة البشرية مثل ألوان الشعر أو العيون. ويقول في الخصوص: "إن العادات قويّة ومهيمنة بحيث إن الدمغة تتمسّك بها.. وتضع جانباً ما هو غيرها، ولو كان يذهب في اتجاه الحسّ السليم".
ويشرح المؤلف في هذا السياق، الكيفية التي تستفيد فيها الشركات، وكل من يعملون فيها، عبر العلاقة مع دورتها من "سلطان العادة". ويشير إلى أنه على خلفية فهم أهميّة ذلك منذ زمن طويل، استطاع المدعو "كلود هوبكنزنز"، الذي بدأ حياته المهنية بائع صحف متجوّل وأصبح أحد روّاد فن الدعاية الحديثة، أن يعمم مفهوماً جديداً للدعاية، يقوم على أنها لم توجد أصلاً إلاّ من أجل بيع سلعة أو خدمة ما. ويشرح دوهينغ، أن النجاح الكبير الذي حققه وأصبح من خلاله أحد كبار الأثرياء في أميركا في بدايات القرن العشرين، قام على "استثمار تكريس العادات".
وهكذا ركّز في دعاياته لمعجون أسنان "بيبسودون"، الذي حقق رقم مبيعات خيالياً، على أهمية استخدام فرشاة الأسنان يومياً في المساء والصباح، من أجل مكافحة الآفات التي تصيب أسنان الإنسان وتجلب الأمراض. وكان هو أيضاً وراء ارتفاع كميّة مبيعات ماركة صابون "بالموليف"، لتغدو، اعتباراً من عام 1911، الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة.. وعلى الصعيد العالمي.
تتبدى زبدة الأفكار التي يطرحها المؤلف، عبر تحليلاته وشرحه لسلسلة طويلة من الأمثلة المأخوذة من تجارب الواقع، وتتمثّل في قوله إن حياة البشر وأنماط سلوكهم، محكومة بجملة من العوامل التي لا يلاحظونها عادة، وتحمل تسمية "العادات".
والغالبية من الناس أرادوا بلحظة ما تغيير هذه أو تلك من عاداتهم، مثل التدخين، وفشلوا في أغلب الأحيان. والكثيرون أيضاً أرادوا امتلاك عادات جيّدة وتخلّوا سريعاً عن مشروعهم. ولكن النجاح بتغيير العادات ليس مستحيلاً، إلا أنه يتطلب وقتاً طويلاً في أكثر الأحيان، وربما عدّة محاولات فاشلة. ويؤكّد المؤلف أن فهم آلية عمل العادة، يمنح الإنسان بعض السلطة لمقاومة سلطانها.
المؤلف في سطور
شارل دوهينغ. صحافي أميركي. خريج جامعتي يال وهارفادد، حائز على جائزة بوليتزر للصحافة. يسهم بالكتابة في: "نيويورك تايمز"، "لوس انجلوس تايمز". وهو مؤلف المسلسل الشهير "المياه المسمومة".
الكتاب: سلطان العادة.. لماذا نفعل ما نفعله وكيف نغيّره؟
تأليف: شارل دوهينغ
الناشر: راندوم هاوس- نيويورك 2013
الصفحات: 371 صفحة
القطع: المتوسط
The power of habit
Charles Duhing
Random Houseذ New York ذ 2013
371 pp.
