يعيش العاملون في مختلف قطاعات النشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وغيرها من الميادين، نوعاً من السباق المحموم لتحقيق التفوّق على الآخرين، بل والتفوّق على النفس، عبر الإنتاج أكثر والنشاط أكثر والاستقلال الذاتي أكثر. فمستويات مختلفة من التقييم في انتظار النتائج. ذلك على أساس:
المقارنة مع الآخرين، إعطاء درجات في الكفاءة والإنتاج. والحصيلة هي أن النشاط المهني غدا بصورة عامة، نمطاً من المنافسة من أجل تحقيق رقم أكبر وإظهار قدر أكبر من الكفاءة. هذه المعايير كلها أعطيت تسمية هي: "بينشماركينغ".. وهو بالتحديد موضوع كتاب الباحثين، إيزابيل برونو ايمانويل ديدييه.
يشير المؤلفان منذ البداية، إلى أن تعبير "بينشماركينغ"، فرض نفسه واقعياً في عالم العمل، بقطاعيه العام والخاص، في البلدان الغربية، وأبعد منها، على الصعيد العالمي إلى حد كبير. وانه ربما لا يكون معروفاً من الجميع، لكن "ممارسته معروفة تماماً". إذ تجري عمليات التصنيف التراتبي للبلدان أو المنظمات أو الشركات أو الأفراد، تبعاً لمجموعة معايير محددة ومثبتة مسبقاً. ويحظى المتفوقون، عادة بمكافآت، بينما توجه الملاحظات للمتخلفين في الترتيب.
يوضح المؤلفان في تحليلاتهما، أنه مهما بدت عمليات التقييم والتصنيف حيادية من حيث إنها تعتمد على قواعد وتقنيات محددة ظاهرياً، تمثل في واقع الأمر أداة لتوجيه أنماط سلوك العاملين، بل وأداة فاعلة بمقدار ما يبقى هذا البعد في القيادة مخبوءاً ولا يلاحظه الآخرون. والقياس في هذه العمليات كلها، يقوم على مبدأ مركزي في تسيير الأعمال، يعتمد جوهرة على التقييم المنبني على المنافسة.
الانتشار الكبير للمفهوم الجديد في فترة زمنية قصيرة، يجد المؤلفان آثاره في طريقة إدارة العمل في مؤسسات متنوعة، تمتد من شركة "كزيروكس"، حتى مقر "المفوضية الأوروبية" في بروكسل، ومن نيويورك إلى "محافظة الشرطة في باريس". وتبيان الآليات التي غدت فيه هذه الأداة المسماة "بينشماركينغ"، وسيلة مركزية في يد البيروقراطيين المعاصرين، يستخدمونها من أجل فرض موازين جديدة، تميل الى لصالحهم في ما يتعلق بعلاقات العمل والسيطرة.
ويشرح المؤلفان، أن الانتشار السريع لتبنّي أداة التقييم القائم على المنافسة، تعود في الدرجة الأولى، إلى واقع التشابه، بل والتطابق تقريباً، في ما يخص المشكلات التي تواجهها مختلف الشركات والمؤسسات، الخاصة منها والعامة. ومن هنا تأتي سهولة انتقال تقنيات تسيير الأعمال من قطاع إلى آخر.
النتيجة المباشرة لمثل هذه المقولات، نوع من "الانحياز في تسيير الأمور العامة لمنطق عالم الأعمال البزنس".
تتمثل إحدى الأفكار الأساسية في الكتاب، بالقول: إن المنظور التنافسي المعني، دخل في منطق عمل الدولة نفسها، والتي غدت تحت ضغط الإحصاءات، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب. ويشير المؤلفان إلى ان "لجوء الدولة للعمليات الإحصائية ليس جديداً"..
ويعود في الغرب إلى نهايات القرن التاسع عشر، إذ نُظر إليه باعتباره: "علم الدولة". والجديد في سلوكيات الدولة، استخدامها لغة الأرقام، لفرض سيطرتها أكثر. ويبقى المهم، برأي المؤلفين، إصلاح الدولة ومقاومة هيمنة الأرقام، لصالح العمل الاجتماعي.
المؤلفان في سطور
ايزابيل برونو، أستاذة في جامعة ليل الفرنسية، وباحثة في "مركز الدراسات والبحوث الإدارية والسياسية والاجتماعية"، من مؤلفاتها: الإستراتيجية الأوروبية لمعاهدة برشلونة.
ايمانويل ديدييه، باحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. من مؤلفاته: ما هي أميركا بالفعل: الإحصاءات والإصلاح الجديد والديمقراطية.
الكتاب: بينشماركينغ.. طغيان الأرقام والمنافسة
تأليف: ايزابيل برونو، ايمانويل ديدييه
الناشر: زون- باريس 2013
الصفحات: 250 صفحة
القطع: المتوسط
Benchmarking
Isabelle Bruno, Emmanuel Didier
Zone ذ Paris- 2013
250 pp.
