عرفت الإنسانية في مسارها التاريخي، بناء الكثير من الجدران والحواجز، سقط الكثير منها وانهار بينما تبنى باستمرار جدران جديدة. و"الجدران" هو موضوع عمل الكاتب مارسيلو دي سينتيو، الذي يكرّسه لـ"الانتقال عبر الحواجز" كما جاء في عنوانه الفرعي.

الحقيقة الأولى التي يريد المؤلف تثبيتها، مفادها أن الجدران كانت دائماً نوعاً من التعبير عن وجود "مناطق حدودية متنازع عليها في هذه المنطقة أو تلك من العالم". وهي في الوقت نفسه، "مصدر ألم إنساني كبير". ثم تأكيده أن البشرية، منذ عهود قديمة جداً، وبجميع حضاراتها، لجأت إلى بناء جدران كي تؤشر وتصون وتحمي ما هو داخلها، أو لتحتمي مما هو خارجها.

يشير المؤلف إلى أن المصريين القدماء كانوا من أوائل أولئك الذين حرصوا على بناء جدران "أسوار" قرميدية، حول معابدهم.

يشرح مارسيلو دي سينتيو، أنه سافر إلى العديد من مناطق العالم التي تشهد أكثر النزاعات والحروب ضراوة. ومن خلال ذلك، طرح على نفسه السؤال التالي: ماذا يعني للإنسان أن يعيش خلف الجدران؟ محاولة الإجابة عن مثل هذا السؤال، دفعته إلى التأمّل في الدلالات العميقة لنصب الجدران وكيف أنها تكاد لا تمنع من يريد الذهاب إلى الجهة الأخرى، من أن يلتفّ عليها لبلوغ غايته. كما يفعل المهاجرون من كل الجنسيات التي تنتمي إلى بلدان فقيرة للوصول إلى ما يعتبرونه "منفذاً نحو الحياة".

هذه الجدران كلها يبحث المؤلف في أسباب بنائها، ومعناها بالنسبة لأولئك الذين أقاموها.. وتأثيراتها الثقافية. بعضها يعبّر عن الخوف ويدعو إليه، وبعضها يشجع على الحقد ويدفع أحياناً لارتكاب فعل القتل. ثم هناك حقيقة ثابتة يؤكدها مؤلف هذا الكتاب، مفادها أن "جميع الجدران تغري باجتيازها".

من الملاحظ أن صاحب هذا المؤلف يجمع في كتابته بين التوصيف الدقيق للتفاصيل، عندما يتحدث عن هذا الجدار أو ذاك، وبين الحس التاريخي، عبر الحديث عن معاني بناء الجدران ورهاناتها. هكذا يتحدث عندما يتعرّض للجدار الذي أقامته إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، عن "مدى الظلم الكبير على البشر الذين وجدوا أنفسهم في الجانب السيئ" من الجدار. ولا يخفي مؤلف الكتاب تعاطفه مع أبناء القرى الفلسطينية المجاورة، الذين وجدوا أنفسهم، من دون أن يستطيعوا فعل أي شيء: "مقطوعين بسبب الجدار" عن أرضهم، الموجودة، في أحيان كثيرة، في الجانب الآخر من الجدار، غير الجانب الذي يوجد في مكان إقامتهم.

وعلى خلفية الظلم والبؤس الذي تعاني منه أجيال كاملة من الشباب الإفريقي، يرى المؤلف أنه من السهل أن يفهم الأوروبيون الأسباب التي تدفع أولئك الشباب الذين يعانون من البطالة والبؤس، لمحاولة اجتياز الحواجز المقامة في "سبتة ومليلية"، فالوصول إلى "الفردوس الأوروبي". ويصف المؤلف هنا، كيف يغطي الشباب المعنيون أصابع أيديهم بالأقمشة السميكة، "المتوفرة" كي يتجنبوا جروح الأسلاك الشائكة.

كما يتحدث المؤلف عن جدران كثيرة، ليست معروفة للجمهور العريض، مثل تلك القائمة في قبرص، للفصل بين القبارصة الأتراك.. وبين الهنود والبنغلاديشيين، وبين الأفارقة والأسبان، وبين الكاثوليك والبروتستانت في العاصمة الإيرلندية "بلفاست". ويخلص إلى أنه هناك جدران كثيرة، ولها دائماً، دواعيها: السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية.. أو غيرها.

 المؤلف في سطور

 مارسيلو دي سينتيو، كاتب كندي، يسهم في العديد من الصحف والدوريات.نال جوائز عالمية عدة. يجمع في كتابته أدب الرحلات والتحقيق الصحافي.

 الكتاب: جدران.. الانتقال عبر الحواجز

تأليف: مارسيلو دي سينتيو

الناشر: غوزلين- نيويورك 2012

الصفحات: 288 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Walls

Marcello Di Cintion

Goose Lane ذ New York- 2012

288 pp.