عرفت حركات اليمين المتطرّف، صعودا ملحوظا في العديد من بلدان القارّة الأوروبية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وإذا كانت هذه الحركات تتفق على صعيد الأطروحات العامّة، فإن لكل منها خصوصياتها ومسارها التاريخي، تبعا لظروف ظهورها وشروط خاصة في كل بلد. والصحافي والكاتب البريطاني دانييل تريلينغ، المتخصص في اليمين المتطرّف في بلاده، يكرّس كتابا لـ "صعود اليمين المتطّرف في بريطانيا، تحت عنوان " بشر شريرون وبغيضون".
يطرح تريلينغ، في البداية، مجموعة من الأسئلة، منها: لماذا لم يبرز حزب يميني متطرّف ذو إيديولوجية "فاشيّة جديدة" في بريطانيا، إلاّ في مطلع سنوات السبعينات المتطرّفة ؟ لماذا برز بعد أقل من جيل من الهزيمة الساحقة التي عرفتها الفاشية بنسختيها الهتلرية في ألمانيا والموسولونية في إيطاليا؟
محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة كلّها، وعدد آخر يتفرّع منها، تشكل موضوع الكتاب. ويعود المؤلف إلى العام 1967، عندما بادرت مجموعات يمينية متطرّفة صغيرة، في مقدمتها "رابطة الولاء للإمبراطورية"، إلى تجميع نفسها في حركة تعبّر عن شعاراتها وطموحاتها، تحت تسمية "الجبهة الوطنية".
وفي تلك السنة وفي تاريخ السابع من فبراير 1967، تأسست "الجبهة الوطنية البريطانية"، على قاعدة أنها تجسيد لمسيرة توحيد لمجموعات وفصائل اليمين المتطرّف البريطاني، التي بدأت ملامحها الأولى، منذ بداية عقد الستينيات في القرن الماضي .
يشرح المؤلف أن الجبهة الوطنية البريطانية، انبثقت عمليا على خلفية الهزيمة التي مني بها حزب المحافظين التقليدي في الانتخابات التشريعية العامّة عام 1966. إذ شجّع ذلك على اتساع شعبية التشكيل السياسي الجديد الأطروحات التي وجدت في هذا السياق، صدى كبيرا بخصوص ضرورة وجود حزب يعبر عن مبادئ "اليمين الوطني" وتطلعاته.
وكانت الأهداف الصريحة المعلنة: الكفاح ضد سياسات الهجرة التي انتهجتها الحكومات البريطانية، مواجهة أطروحات التعددية العرقية السائدة عندها في بريطانيا، النضال ضد الاتفاقات والمعاهدات متعددة الجنسية، مثل منظّمة الأمم المتحدة أو منظمة معاهدة شمال الأطلسي ـ الحلف الأطلسي ـ التي كان يراد منها الحلول محل الاتفاقيات الثنائية التي يتم التفاوض حيالها بين الأمم.
ومثل تلك الأطروحات وجدت ما يدعمها، كما يشرح المؤلف، في مواقف بعض رجال السياسة والأدب المرموقين، مثل : اينوك بويل، السياسي والكاتب والنائب لسنوات في مجلس العموم، الذي درس اللغتين اليونانية واللاتينية ولغة "الأوردو"، وبرز في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية .
واشتهر بمواقفه "المناهضة للهجرة والمهاجرين". وكذلك يشير المؤلف إلى واقعة محددة ساهمت في خلق أجواء مناسبة لإيديولوجية وأطروحات اليمين البريطاني المتطرّف. وتكمن في قرار حكومة ادوارد هيث، قبول 27000 مهاجر من بلدان آسيوية في بريطانيا، عندما تقرر طردهم من أوغندا عام 1972 .
وهكذا، تطوّرت "الجبهة الوطنية البريطانية" خلال سنوات السبعينيات من القرن ال20، وأرادت أن تقدّم نفسها أنها "صوت يميني خاص" . ولذلك منعت نظريا، انتساب المجموعات النازية ـ الجديدة من الانضمام اليها . وفي نهاية ذلك العقد، ثم الذي تلاه، عرفت "الجبهة الوطنية" نزاعات داخلية . وسيطرت عليها مجموعة محافظة تكاد تكون إرهابية، كما يصفها المؤلف.
المؤلف في سطور
دانييل تريلينغ. صحافي وكاتب بريطاني، يعمل كنائب مدير في مجلة "نيو ستيتمان" البريطانية . كان قد تعاون مع مطبوعات عديدة، بينها صحيفة الغارديان اللندنية. كرّس اهتمامه منذ عام 2009، لإجراء تحقيقات ودراسات عن اليمين البريطاني المتطرّف.
الكتاب: بشر شريرون وبغيضون..صعود اليمين المتطرّف في بريطانيا
تأليف: دانيل تريلينغ
الناشر: فيرسو- لندن 2012
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
Bloody nqsty people
Dqniel Trilling
Verso- London ذ 2012
240 pp.
