ستصبح الصين في أفق عام 2020 القوّة الاقتصادية العالمية الأولى؛ هذا ما تؤكّده توقعات مراكز أبحاث ومؤسسات دولية متخصصة. فـ "ماذا تريد الصين؟" يسأل المؤرّخ والأستاذ الجامعي الفرنسي فرانسوا غودومون، في عنوان كتابه الأخير، الذي يكرّسه لدراسة تطور الصين من مرحلة حكم ماوتسي تونغ حتى المسار الرأسمالي الحالي، كما يدل عنوانه الفرعي.

يبدأ المؤلف بطرح عدد من الأسئلة على خلفية توقع وصول الصين إلى المرتبة الاقتصادية العالمية، خلال السنوات المقبلة. ويقول في سؤال جوهري أوّل: "هل ستتولّى أيضاً القيادة السياسية للعالم؟". كذلك أسئلة أخرى، مثل: "هل القادة الصينيون مكيافيليون؟". وهل هناك خشية من أن تستفيق من جديد أحلام وكوابيس فترة حكم ماوتسي تونغ؟ أم هناك غياب أيّة رؤية ثابتة للنخب الصينية الحاكمة حيال المستقبل، وهي مأخوذة فقط بحل مشكلاتها الداخلية؟

في الإجابة عن مثل هذه الأسئلة والعديد غيرها، يرى المؤلف أن الصين تُبدي الكثير من المواقف والتوجهات المتناقضة للرأي العام العالمي، على خلفية تأرجح قادتها بين نزعة قومية صينية متطرّفة، وبين عدم وضوح مفرط في سياساتها داخل جوقة الأمم. والتأكيد في هذا السياق على أن القادة الصينيين ليسوا موحّدي الصوت، بالدرجة التي يبدون فيها أمام العالم، بل هم يعانون من حالة قلق حقيقي حيال شرعيتهم وحيال الهوّة التي تتعمّق بينهم وبين مواطنيهم.

يفتح مؤلف الكتاب عدداً من الملفات المثيرة للنقاش حول الأمّة الصينية "ذات الوجوه المتعددة"، حسب تعبيره. وينطلق من عدّة مشاهدات وأحداث ووقائع شهدتها البلاد، أخيراً. وتدلّ على وجود "حركة" على الصعيد الداخلي. ومن المشكلات الأساسية التي يتعرّض لها المؤلف، آلية عمل الحزب ـ الدولة. تلك الآلية يصفها بـ "العلبة السوداء" بسبب الجهل الكامل لما يدور في داخلها من قبل الرأي العام الصيني.

وكما هي الحال في الحياة الداخلية للحزب الشيوعي الصيني الحاكم، تتسم الحياة داخل مقر الحكومة الصينية بالسريّة الكاملة. والأمر يتكرر في مختلف دوائر القيادات السياسية والحكومية. والشعار المرفوع الذي يبرر معه جميع هذه الممارسات: "المحافظة على الاستقرار".

وباسم هذا الاستقرار أُعطيت الأولوية للنظام على حساب العدالة الاجتماعية. ويرى المؤلف أن هناك استمرارية بهذا الصدد منذ الثورة الماوية ـ ثورة ماوتسي تونغ ـ وقادتها التاريخيين، وحتى الحقبة الحالية، فيما يتعلّق بمحافظة السلطة الحاكمة على استخدام الرقابة الصارمة والشاملة على الفرد والمجتمع المدني، إلى جانب استخدام "الآلة الإيديولوجية وخطابها الإعلامي".

ومن الجوانب التي يؤكّد عليها المؤلف في الصين، غياب التمثيل الاجتماعي الحقيقي في المجلس الوطني الشعبي. ذلك أن الـ 70 عضواً الأكثر ثروة فيه، يملكون ما تصل قيمته إلى 90 مليار دولار أميركي. والإشارة أن ثلث الخمسين صينياً الأكبر ثروة يعملون كمستشارين لدى الحكومة. أمّا الإصلاحات الاقتصادية فأخلت المكان كثيراً، لجمع الثروات سريعاً، وللميل نحو الرفاهية عبر الاستهلاك.

وفي النتيجة، هناك الكثير من الشباب من أبناء الطبقة الوسطى، يعيشون نوعاً من خيبة الأمل بسبب عدم تمكّنهم من تحقيق صعودهم الاجتماعي، لندرة "فرص العمل المؤهلة لذلك". ويصل المؤلف إلى توصيف الصين أنها بلاد غنيّة لكنها تعدّ الكثير من الفقراء. ويضاف إلى هذا واقع التباين الكبير بين المناطق الجغرافية.

والنتيجة المباشرة لمثل هذا الوضع، يحددها المؤلف بوجود حالة من التوتر الاجتماعي، تزداد حدّتها أكثر فأكثر، إلى درجة أن ميزانية الأمن العام، فاقت في عام 2012، ميزانية الجيش، كما يشير المؤلف. وتزداد بالتوازي التعليقات المعبّرة عن الاستياء، عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وفي كل الحالات، تبقى "البراغماتية" تحكم خيارات القادة الصينيين.

 المؤلف في سطور

 فرانسوا غودومون. مؤرّخ وأستاذ جامعي فرنسي في مجال العلوم السياسية. أسس عام 2005، مركز الدراسات الآسيوية المستقل، ويدير برنامج الصين في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. وهو عضو في مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي.

 الكتاب: ماذا تريد الصين؟ من ماو إلى الرأسمالية

تأليف: فرانسوا غودومون

الناشر: اوديل جاكوب - باريس - 2012

الصفحات: 278 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

؟Que veut la Chine

Françoit Godement

Odile Jacob- Paris- 2012

278 pp