شهد القرن السابع عشر، انطلاقة الثورة الصناعية في القارّة الأوروبية "القديمة". ولكنه كان أيضا، قرن "الأزمات الدولية الشاملة" المتنوعة، التي تراوحت بين فترات الجفاف طويلة الأمد والفيضانات الجارفة وفصول صيف "مفرطة في حرارتها"، وفصول شتاء "مفرطة في برودتها" لم يكن العالم قد رأى مثلها قبل ذلك. وهذا فضلا عن الحروب والصراعات التي عرفتها القارتان الأوروبية والآسيوية، خلال القرن ذاته . إن تلك "الأزمات العالمية، الشاملة"، وما ترتب عليها، موضوع كتاب المؤرخ البريطاني جيوفراي باركر، الذي كرّسه لدراستها.
عرف ذلك القرن، كما يشرح المؤلف، ما تطلق عليه اليوم صفة الأحداث المناخية القصوى. والتعبير البليغ عن ذلك يجده في واقع تجمّد نهر التايمز الذي يجتاز مدينة لندن، إذ كانت فيها سماكة الجليد كبيرة، إلى درجة يصعب تحمّلها حتى بالنسبة للخيول. ويحدد المؤلف القول ان البرودة كانت شبيهة آنذاك، بـ"عصر جليدي صغير"، كانت الحرارة فيه أدنى من أي وقت، منذ 13000 سنة.
وينقل المؤلف عن فولتير ملاحظة، بعد قرن لاحق، أن عددا كبيرا من القادة كان قد جرى اغتيالهم أم تنفيذ حكم الإعدام بهم من قبل السلطان العثماني إبراهيم عام 1648. ومرورا بالملك شارل الأول عام 1649، فوصولا إلى الإمبراطور المغولي شاه جيهان عام 1658. وأطلق فولتير على تلك الفترة: "فترة من أعمال السطو واغتصاب السلطة في جميع أنحاء العالم تقريبا".
ويشير المؤلف إلى أن البعض اعتبر أن القرن السابع عشر، يمثل فترة انتقالية عنيفة بين مناخ عصر النهضة في القرن السادس عشر، ومناخ عصر التنوير في القرن الثامن عشر. وبهذا المعنى، يُطلق المؤلف على القرن السابع عشر توصيف: "الأزمة الشاملة، العالمية".
يشرح باركر، على مدى صفحات هذا الكتاب تأثر الظواهر المناخية المتطرفة، التي رافقت "العصر الجليدي الصغير"، ويسهب في توصيف المنعطفات التي شهدتها القارة الأوروبية في القرن السابع عشر، وأشهرها اجتياح براغ الذي أطلق حرب الثلاثين عاما في وسط القارة، وامتدت آثارها إلى جميع "مراكز السلطة"، بين أوروبا الغربية والشرق الأقصى.
وما يؤكده المؤلف، هو أنه في جميع أنحاء العالم، من الصين إلى الهند فبريطانيا وايرلندا، تواتر إيقاع موجات الجفاف وحالات الفيضان، وفصول الشتاء ذات البرودة الاستثنائية وفصول الصيف ذات الحرارة الاستثنائية. وترتب على ذلك، تناقص كبير في المحاصيل الزراعية، وانهيار معمم في اقتصاد العديد من البلدان. ولم تكن قليلة في مثل ذلك السياق، المجاعات المتكررة.
ونبه المؤلف الى أنه لم يكن من محض الصدفة أن يكتب الفيلسوف توماس هوبس، في أواسط القرن السابع عشر، ان حياة الإنسان غدت بائسة وقاسية وقصيرة. ذلك أن الأزمة العامة مزّقت البلدان، واحدا بعد الآخر، من القارّة الأوروبية القديمة وحتى الشرق الأقصى.
الفكرة الأساسية التي يخرج مؤلف الكتاب بها من تحليلاته، مفادها ان المناج زاد جديا من آثار تلك الحروب والاضطرابات السياسية والاجتماعية التي جعلت من القرن السابع عشر، لحظة قاسية للعيش.
المؤلف في سطور
جيوفراي باركر. مؤرخ بريطاني. مارس مهنة التدريس في جامعة كولومبيا البريطانية، وفي جامعة يال الأميركية. عضو في الأكاديمية البريطانية والأكاديمية البريطانية والأكاديمية الهولندية للفنون والعلوم، وفي الأكاديمية الاسبانية "المكسيكية"- الأميركية للفنون والعلوم. لديه مؤلفات عديدة، من بينها : الإستراتيجية الكبرى لفيليب الثاني.
الكتاب: الأزمة الشاملة، العالمية- الحروب والتبدلات المناخية والكوارث في القرن السابع عشر
تأليف: جيوفراي باركر
الناشر: جامعة يال 2013
الصفحات: 672 صفحة
القطع: المتوسط
Global crisis
Geoffrey Parker
Yale University Press ذ 2013
672 pp
