يولي المؤرخ الفرنسي جان فيردون، اهتمامه الرئيسي للتأريخ لفترة العصور الوسطى الأوروبية. واتسمت أعماله حتى الوقت الحالي، بالتركيز على أشياء الحياة اليومية وسلوكيات البشر في تلك الفترة. ولا يشذّ عن هذه القاعدة، كتابه الأخير: «دسائس ومؤامرات وخيانات في العصر الوسيط».

إن القاعدة الأساسية التي كانت سائدة في القرون الوسطى هي «الغاية تبرر الوسيلة»، كما يقول المؤلف ويدقق القول إن الغاية كانت تبرر كل الوسائل. وعلى مدى صفحات الكتاب، يحاول تقديم البراهين على مثل ذلك السلوك.

كما يجد القارئ أنه أمام أوضاع متطرفة في غرابتها، من حيث لجوء البشر إلى تدبير المكائد وحبك الدسائس وسبك المؤامرات. وتأكيد أن جميع الفئات الاجتماعية كانت تلجأ إلى تلك الممارسات. وذلك من حواشي أصحاب القرار الكبار، وحتى رجال الكنيسة، على مختلف درجاتهم ومستوياتهم، مروراً بأبناء الطبقة البورجوازية، ووصولاً إلى أصحاب المهن الصغيرة والناس العاديين.

الخلفية الأساسية التي كانت تقوم عليها مثل تلك السلوكيات، يحددها المؤلف بشيوع حالة من القلق وفقدان الأمل، بينما كانت الأوساط الأسرية هي الإطار الملائم للانتقال إلى الفعل، حيث كانت الخلافات العائلة ومشاعر الغيرة، بمثابة الأسباب الرئيسية التي تدفع البشر إلى المحاكم، أو ربما إلى المقابر. مع ذلك كانت كواليس السلطة وحواشي أصحاب القرار «زاخرة بالنوايا السيئة»، بحثاً عن تثبيت السلطة أو عن الوصول إليها.

يشير المؤلف أيضاً، إلى أن عادة الثأر ليست حكراً على الشرق، حسب الفكرة الشائعة، لكنها كانت رائجة أيضاً في العصور الوسطى على اتساع رقعة القارّة الأوروبية. بل يرى أن اللجوء إلى السماح والغفران لم يكن مجرّد حالة نادرة في الشرق أحياناً، ذلك على عكس ما كان سائداً لدى الأوروبيين خلال العصور الوسطى، حيث كان العقاب الشديد ينتظر من يقوم بفعل يستوجب ذلك. ويؤكد المؤلف على ذلك من خلال سلسلة طويلة من الأحداث والوقائع المأخوذة من السياسات العامة أو من سجلّات «الأحداث المتفرقة».

وكما يدل عنوان الكتاب، ينقب المؤلف عن «ملامح الوجه الأسود»، لفترة استمرّت قرونا عدة. وهذا ما يفعله على مدى الفصول الثمانية التي يتألف منها عمله، مع تحديد مكانه وزمانه، وذلك ضمن ما يسميه «الغرب المسيحي»، الذي يضم إليه «بيزنطة»، التي يكرّس لها أحد الفصول.

ويتعرّض المؤلف للعديد من الحقب التاريخية التي عرفتها العصور الوسطى الأوروبية، مثل تلك التي حكم فيها «الكارولنجيين» ثم «الكابيتيين»، وأيضاً عهد هنري الثاني في إنجلترا، مشيراً إلى أن عدداً من المتنفذين في جميع تلك الحقب، لعب دور «صانعي الملوك»، اعتماداً على الدسائس. والنموذج البليغ للمعنيين، يجده المؤلف في المدعو ريشارد نوفيل، دوق مقاطعة وارويك الإنجليزية، الذي لعب دوراً مركزاً في قصر هنري الثاني.

وفي حديث المؤلف عن الأسرة كإطار للدسائس، اختار عنواناً مفاده: «أيتها الأسرة، إنني أحبّك»، منتحلاً ومحرّفاً بذلك جملة شهيرة للروائي الفرنسي أندريه جيد، قال فيها «أيتها الأسرة، إنني أكرهك».

وتبقى شخصية الملك «لويس الحادي عشر»، من بين الأكثر ذكراً في الكتاب. ويبدو من خلال الأوضاع التي يدرسها المؤلف، أن هذا الملك «غريب الأطوار»، كان بالوقت نفسه، ناسجاً للدسائس والمؤامرات والخيانات، وأيضاً ضحية لها. مع ذلك، جنى منها أكثر مما خسر، إذ خلال مسيرة حياته التي استمرّت 60 سنة، منها 22 سنة في الحكم، عرف كيف يحافظ على بقائه ويفرض، غالباً، وجهة نظره.

ويحدد المؤلف «بطلة» أخرى في ميدان الدسائس والمؤامرات والخيانات، تتمثل في فريديغوند، التي أصبحت ملكة بعد أن كانت وراء سلسلة من أعمال القتل كي يصبح المشهد أكثر وضوحاً بالنسبة لها.

ويطلق المؤرخون فترة القرون الوسطى على الفترة من القرن الخامس حتى القرن الخامس عشر ميلادي، حيث هيمنت الإقطاعيات على أوروبا مستغلة ريع الفلاحين والمزارعين، وتعددت الدويلات أسس أغلبها مغامرين وفرسان نصبوا أنفسهم أمراء فكثرت الدسائس والمؤامرات والخيانات في ظل إقطاعيات متنقلة ودويلات غير ثابتة.

كما شهدت المرحلة قبل عودة النزعة الإنسانية والاصلاح الديني الذي شهدته الكنيسة تحالفاً وطيدا بين السلطة السياسية والدينية خلق حيفا اجتماعيا في ممارساته الاقطاعية وجورا كبيرا حيث أرضخ الاقطاع الكنيسة في بسط سلطاته وهيمنته على غلة الأرض وحياة الناس.

كل هذه المظاهر شحنت الأطياف الاجتماعية بكافة طبقاتها وأججت الصراع على مستوى البلاط والنخبة من جهة وبين العامة والسلطة من جهة أخرى وهو ما حاول المؤرخ الفرنسي جان فيردون تفكيكه في قراءة اجتماعية تاريخية لتلك العصور المظلمة التي انبثقت من ظلها الثورة الصناعية والحداثة الأوربية المعاصرة.

وقد استطاع فيردون أن يطوع آليات المنهج لقراءة عصور مظلمة من جانب مختلف يقدم مسوغات ممكنة تفتح أبواباً للفهم والتأويل، حيث ساق البراهين وقدم أوضاعاً متطرفة في غرابتها، من حيث لجوء البشر إلى تدبير المكائد وحبك الدسائس وسبك المؤامرات، وهي ممارسات انتهجتها مختلف الفئات الاجتماعية، والخلفية الأساسية التي كانت تقوم عليها مثل تلك السلوكيات، يحددها المؤلف بشيوع حالة من القلق وفقدان الأمل، والحيف والظلم الاجتماعي الذي عاشته أوروبا في القرون الوسطى.

 

الكتاب: الدسائس والمؤامرات والخيانات في العصور الوسطى

تأليف: جان فيردون

الناشر: بيران- باريس- 2012

الصفحات: 285 صفحة

القطع: المتوسط