غادر الكاتب الروماني الشهير نورمان مينيا بلاده، رومانيا، عام 1986، مشيرا أن دافعه لتلك الهجرة، الرقابة الصارمة و"غير المحتملة"، التي كان يمارسها نظام تشاوشيسكو. وكانت محطته الأولى في طريق المنفى، مدينة برلين الألمانية، ليحطّ رحاله في مدينة نيويورك، حيث استأنف ممارسة الكتابة، مهنته الوحيدة، كما يقول.
ومن المعروف أن مينيا يحظى بمكانة أدبية رفيعة في العالم، الأمر الذي يدل عليه بوضوح، واقع ذكر اسمه مرّات ومرات للحصول على جائزة نوبل للأدب-، الأمر الذي لم يحصل حتى الآن-، لكن المؤلف يعيش منذ غادر بلاده، حالة من الإحساس بأنه "مقتلع من الجذور". وهذا بالتحديد ما يرشح بوضوح في كتابه الأخير الذي يحكي فيه عن عشرين سنة من المنفى ببلاد أجنبية ووسط لغة أجنبية. والكتاب يحمل عنوان "المستحيل الخامس" والذي يحتوي على "دراسات عن المنفى واللغة"، كما يقول عنوانه الفرعي.
"المستحيل" الذي يواجهه المؤلف، كما يبدو، في مواد هذا الكتاب هو إحساسه بامتلاك هويته كاملة، في أرض بعيدة عن رومانيا وعن اللغة الرومانية. ويقول صراحة: "مقابل جواز سفري قطعوا عني نعمة اللغة". وبهذا المعنى، يرى أنه وقع الثمن غاليا عندما اضطر لمغادرة بلاده. هذا خاصة أنه وصل إلى الولايات المتحدة بسن متقدمة وليس شابا، "قابلا للتأقلم" بسرعة مع المحيط الجديد. وخاصة أيضا، أنه "مبتدئ في اللغة الانجليزية". وهكذا يرى نورمان مينيا، أنه "دفع غاليا ثمن حريته".
وفي مختلف مقالات ودراسات الكتاب، يتحدث المؤلف عن المنفى وكأنه "جرح". ويشير إلى أنه عاش قبل "المنفى الخارجي"، إلى برلين ثم إلى نيويورك، نوعا من المنفى الداخلي، عندما كانت دكتاتورية شاوشيسكو تفرض قوانينها على الفكر والإبداع. لكن تلك الغربة الداخلية كانت أقل وطأة.
ذلك أن اللغة تشكل ملجأ حقيقيا. وما يردده نورمان مينيا، بأشكال مختلفة، أن اللغة الرومانية كانت بالنسبة له طيلة حياته :"الوطن الوحيد" الذي يسكنه. فباللغة الرومانية يفكّر ويحلم ويكتب، وهذا يجعل من اللغة "الهوية الوحيدة والعميقة"، وبالتالي "الوطن الحقيقي".
ويحكي المؤلف أنه عاش طفولة صعبة، حيث قبع أربع سنوات في أحد معسكرات الاعتقال، منذ سن الخامسة وحتى التاسعة.
ومما يحكيه أيضا، أنه عندما خرج من معسكر الاعتقال في سن التاسعة، احس أكثر أنه "أصبح عجوزا". لكنه أصرّ على أن يتعلّم كيف يصبح طفلا، أيضا، أمامه ما كان محروما منه من غذاء وألعاب وكتب. وبالنسبة لـ"مجتمعه الجديد" الأميركي، يعيب نورمان مينيا صفتين كبيرتين: "التفاؤل الذي يبديه الجميع" و"الميل المفرط إلى التبسيط". ويحذّر المؤلف من خطورة "الذهنية التبسيطية" الأميركية.
وفي مقابل انتقاده للذهنية الأميركية المتفائلة والتبسيطية، يؤكد مينيا، أنه استطاع أن يبني في أميركا صداقات جديدة مع العديد من الكتّاب والمبدعين، بينما كان يعيش في رومانيا بنوع من المستعمرة، تحت عنوان: "الواقعية الاشتراكية". ولا يتردد في القول ان صداقته مع الكاتب انطونيو مابوكشي، كانت "أكبر هدايا المنفى إليه".
المؤلف في سطور
نورمان مينيا. من مواليد رومانيا عام 1936. يعمل أستاذا للأدب الأوروبي في جامعة "يارد" بنيويورك. قدّم العديد من الكتب التي ترجمت إلى الكثير من لغات العالم. من مؤلفاته: عودة الهوليغان.
الكتاب: المستحيل الخامس
تأليف: نورمان مينيا
الناشر: جامعة يال 2012
الصفحات: 368 صفحة
القطع: المتوسط
The fifth impossibility
Norman Menea
Yale University Press ذ 2012
368 pp.
