درس سيباستيان دوكورتوا القانون، ومارس مهنة الصحافة لكنه وُلد "رحالة"، كما يصف نفسه. وهكذا كرّس كتابه الأخير للتعبير عن ذلك، تحت عنوان: "في مديح السفر".

ويرى دو كورتوا في السفر، وحسب تعبيره في مقدمة الكتاب، نوعا من "الرحلة الطويلة في أعماق النفس حيث لا يمكن التأكيد بإمكانية العودة، والبعض يغرقون في رمالها".

واختار، كما يقول، التوجه نحو إفريقيا، من دون أي دافع يعود لـلتحدي أو لتحقيق إنجاز عظيم. بل لا يتردد في التأكيد أنه في عداد أولئك الذين يهربون من مثل هذا التحدي أو يطمحون لتحقيق الإنجازات. إذ كان محرّكه في رحلته هو، الانفتاح على العالم وعلى البشر والاستماع والملاحظة ولقاء الناس وعيش الزمن الطويل والإحساس بالتعب الجسدي، بعد السير لساعات وساعات ومعاناة الليالي الصعبة.

على قاعدة الانفتاح على العالم، وجد المؤلف نفسه في جيبوتي التي يصفها بـ"ذلك الطرف من الصحراء الواقع على ضفاف البحر الأحمر". وفي جيبوتي تقاطع دربه مع الطريق التي كان قد سلكها الشاعر الفرنسي الكبير ارتور رامبو، الذي كان قد أمضى السنوات العشر الأخيرة من حياته تائها متشرّدا بين بلدان شرق القارة الإفريقية، ومتنقلا خاصة بين جيبوتي واثيوبيا، اللتين انطلق إليهما من اليمن.

اقتفى دو كورتوا، آثار مسار رحلة ارتور رامبو، ومن هنا يأتي العنوان الفرعي لكتابه: "على خطى رامبو". وتتبع مساره وصولا إلى الاسكندرية. وحاول أن يعيش أحاسيسه من جديد. ويقوم المؤلف من خلال ذلك بعملية توصيف لإفريقيا السابقة "في زمن رامبو"، وإفريقيا الجديدة "في الزمن الحالي"، وإفريقيا التي قرأ عنها في الكتب، وإفريقيا التي عاشها بكل أحاسيسه وعبر تجربته الخاصة.

وفي جميع الحالات يرى أن الأهم هو في البحث والتنقيب في التجربة المعاشة، أكثر من ما هو البحث في الأدبيات. والسفر برأيه، أحد وسائل التعرّف على حقيقة العالم الذي نعيش فيه.

ما يؤكده سيباستيان دو كورتوا، أن الحدود غير موجودة سوى بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بوجودها. ورامبو كان من بين أولئك الذين لا يؤمنون كثيرا بذلك الوجود. ومن خلال استقراء تجربة رامبو، من جيبوتي إلى الاسكندرية، يتحدث عن ما اكتشف من صحارى وشعوب سوداء بدائية إلى درجة كبيرة، وتفتقر الى الطرق ولوسائل الاتصال وللرحالة الذين يؤمّنون منطقتهم. وينقل المؤلف عن رامبو قوله: "إن أهل جرار ليسوا أقل أو أكثر ذكاء من العبيد البيض في البلدان المتحضّرة".

أمّا "مديح السفر"، فيجد المؤلف مبررات كثيرة له، وليس أقلها أنه يذكّرنا أن الأحلام وقدرة الخال على الإبداع، أمور لا تزال موجودة.. والمهم أن نجد المكان المناسب لذلك. وحيث: "لا تكون موسيقانا الداخلية رهينة صخب الحقبة التي نعيشها". وليس إيجاد المكان فقط، ولكن أيضا اختيار اللحظة المناسبة.

 المؤلف في سطور

 سيباستيان دو كورتوا رجل قانون من حيث تكوينه المهني، ولكنه رحالة منذ ولادته. مارس مهنة المحاماة لعدة سنوات بين باريس ولندن. عمل في حقل الصحافة كمراسل في تركيا ومنطقة الشرق الأوسط . من مؤلفاته: آخر الآراميين، مسيحيو الشرق على طريق الحرير.

 الكتاب: في مديح السفر.. على خطى ارتور رامبو

تأليف: سيباستيان دو كورتوا

الناشر: نيل- باريس- 2013

الصفحات: 316 صفحة

القطع: المتوسط

 

Eloge du voyage

Sébastien De Courtois

Nil - Paris- 2013

316 pp