يتبادل البشر في المناسبات العديدة، بطاقات بريدية. وفي جميع الحالات، يُراد التعبير عن المشاعر عبر رسائل صداقة أو حنان أو حب أو تعاطف أو تضامن، أو أشياء أخرى كثيرة. وهي رسائل محمّلة بـ"الانفعالات" أحيانا. أو ربما تبعث المفاجأة أو الضحك أو الحزن. إنها باختصار رسائل تخص الحياة بالمعنى الواسع والعريض للكلمة.

وإذا كان الاقتضاب والسرعة والقول المختصر المفيد من سمات البطاقات البريدية، فإن الكاتبة الفرنسية فرانسين ستالبورت، هاوية جمع البطاقات البريدية، تكرّس لها كتابا كاملا. وعملها هو من طبيعة تاريخية، إلى جانب كونه دراسة اجتماعية سوسيولوجية- عن المعاني والدلالات الاجتماعية التي تعبّر عنها.

يتركز الكتاب، بالدرجة الأولى، على دراسة العلاقة بين الرسوم والصور التي تحتوي عليها البطاقات المعنية، وبين النص المرافق لها. وهكذا ارتبطت مناسبات تبادل البطاقات البريدية تاريخيا مع مجموعات من الصور والرسوم التي تعبّر عن مكنونات مشاعرها.

وإذا كانت المؤلفة تشير منذ البداية، إلى أن عملها لا يرمي حصرا للتأريخ للبطاقة البريدية، فإنها تشير مع ذلك إلى أن هذا الفن ظهر واقعيا في الغرب عامة، بعد الحروب التي شهدها القرن التاسع عشر، وتحديدا اعتبارا من سنوات السبعينيات في ذلك القرن، وتطوّر فن البطاقة البريدية أكثر فأكثر منذ ذلك الوقت وحتى الحرب العالمية الثانية.

تقدم مؤلفة الكتاب بعض الإحصاءات والأرقام. ويدل أحد هذه الأرقام، على أنه في بدايات القرن العشرين، كان عدد البطاقات البريدية المباعة في فرنسا مثلا، يقارب المليون بطاقة كل سنة. وكان ذلك بمثابة دليل على "مكانة" تبادل البطاقات البريدية على صعيد "التواصل البريدي".

وتعيد فرانسين زيادة التواصل عن طريق البطاقات البريدية، إلى واقع التحوّل الذي شهده المجتمع الفرنسي، كنتيجة للتقدم الصناعي. الأمر الذي ترافق مع تعاظم ظاهرة الهجرة من الأرياف إلى المدن، وانقطاع أعداد متزايدة من الشباب، عن أهلهم وعن "جذورهم"، وحيث كان اللجوء إلى البطاقة البريدية يتسم بقدر كبير من السهولة ولا يتطلّب سوى القليل من الوقت.

ومع التقدّم الصناعي وما رافقه من تنامي ظاهرة الاستفادة من أوقات الفراغ في السفر، إلى مناطق أخرى أو إلى بلدان أخرى، يسهم في اللجوء إلى البطاقة البريدية لطمأنة الأهل أو الأصدقاء، أو ربما لنقل بعض الأحاسيس والمشاعر المترافقة مع اكتشاف مناطق أخرى وبشر آخرين. وتبين أن تطور "فن" البطاقة البريدية وتطور استخدامها، تبع كثيرا حركة تطوّر المجتمعات الغربية نفسها.

لا تتردد مؤلفة الكتاب في اعتبار البطاقات البريدية تنتمي إلى مشرب فني حقيقي. ذلك أنها تتطلب نوعا من الإبداع في إعدادها وفي اختيار وسائل جذب المستخدمين اليها.

وتقدم فرانسين ستالبورت في هذا الكتاب، 150 نموذجا من البطاقات البريدية، وتلك النماذج تضم بطاقات شاعت وانتشرت في هذا المجال أو ذاك، في التعبير عن مشاعر الصداقة أو المحبة أو المواساة. وبطاقات أخرى "فريدة"، كان مرسلوها هم الذين نفّذوها، مثل تلك التي كان جنود على جبهات القتال قد أرسلوها إلى أهاليهم أو للقريبين منهم.

 

 

المؤلفة في سطور

 

فرانسين ستالبورت، كاتبة فرنسية. أولت اهتمامها منذ سنوات، لجمع البطاقات البريدية، خاصة المكتوبة منها. ذلك على خلفية تركيزها على العلاقة بين الكتابة والصورة. ساهمت في كتاب جماعي عن معرض غونزاليس- بيكاسو، تحت عنوان: "غونزاليس- بيكاسو: حوار".

 

الكتاب: أحبكم.. فمن أنا؟ فن البطاقة البريدية

تأليف: فرانسين ستالبورت

الناشر: لا مارتينيير- باريس- 2013

الصفحات: 91 صفحة

القطع: الكبير

 

Je vous aime, devinez qui ?

Francine Stalport

La Martinière - Paris- 2013

91 pp