روسيا أحد البلدان التي تثير الكثير من الفضول والأسئلة لدى الأوروبيين عامة. إنها بلاد الأسرار والمافيا وفلاديمير بوتين، الغامض. والباحث الفرنسي المتخصص في روسيا وبلاد القوقاز، جان رادفاني يدعو قارئه الى "عودة إلى روسيا جديدة"، كما جاء في عنوان كتابه الأخير، وهي أيضا دعوة إلى "رحلة في أعماق بلاد بوتين"، حسب مضمون العنوان الفرعي.

إنه كتاب- رحلة إلى روسيا "الجوّانية" فيما يتجاوز كثيرا، "البطاقات البريدية" التي تحمل صور الساحة الحمراء أو صورة بوري غاغارين، رائد الفضاء الروسي السوفييتي- الأول.

كما يشير المؤلف في مقدمته لعمله. كما يلفت الى أن جدّته الشاعرة الألمانية الشهيرة آنا سيغير، كانت قد تلقت دعوة لزيارة الاتحاد السوفييتي عام 1969، ولم تستطع تلبية ذلك نظرا لمرضها. ولذلك أرسلت حفيدها لينوب عنها. وكان طالبا يدرس الجغرافيا في جامعة السوربون. وشكلت تلك الزيارة بداية "رابطة عميقة" بينه وبين هذه البلاد.

السمة الأساسية الأولى التي يؤكّد عليها جان رادفاني، هي أن روسيا الحالية، ليست في أوج ازدهارها لكنها بلاد واعدة. وأول المظاهر التي يمكن أن تجذب أنظار الأوروبيين الغربيين في موسكو، الثراء الثقافي والتنوع كما يشهد على ذلك واقع الوجود المستمر لعروض مسرحية بإخراج متجدد، وحفلات موسيقية يشارك فيها نجوم عالميون، وعروض فنية إبداعية. وغير ذلك من المظاهر التي يجهلها الغرب بصورة عامة.

أما المعالم والصفات الأساسية التي يحددها مؤلف هذا الكتاب، لـلشخصية الروسية، فإنها تتمثل عموما في نوع من الميل الى المغامرة والتعطش للعيش على خلفية حب الحياة والجسارة، والصراحة.

ويرى رادفاني أن الروس، ومن خلال مثل هذا المزيج، يتميزون عن أوروبيين الآخرين في غرب القارة الذين يعيشون، رغم الثراء المادي الذي يتمتعون به، حالة من القلق المزمن في كثير من الأحيان. وهذا إلى جانب الإشارة الى أن أبناء الأرياف الروسية يتميزون بقدر أكبر من الجسارة والصراحة، من ما يتميّز فيه أبناء العاصمة موسكو.

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يقدم توصيفه لروسيا التي تعرّف على دقائق الحياة فيها بكثير من التعاطف، فإنه يبدو أقل شاعرية في حديثه عن روسيا- بوتين. وما يؤكد عليه في هذا الصدد هو أن روسيا تغيّرت كثيرا، منذ أن وصل فلاديمير بوتين إلى قمة السلطة فيها. ويشير الى أنه حتى "المدارس الضائعة في عمق أعماق سيبيريا، غدت مزوّدة بالحواسيب". ولم تعد شبكة الانترنت غريبة عن اهتمامات المواطنين الروس، حيث ما تكون أماكنهم.

والوجه الآخر لانتشار "التكنولوجيا الرقمية"، هو أن السلطة الروسية القائمة، ومهما كانت قوتها، لم تعد قادرة على "قنونة المعلومات" حسب ما ترى مصلحتها. ذلك أنه غدا من المستحيل إخفاء هذه المعلومات.

وبالتالي غدا المواطنون الروس يهتمون، بل يشاركون أكثر فأكثر، في حياة بلادهم. ومثل هذه المشاركة عبّرت عنها بامتياز تلك المظاهرات الضخمة التي عرفتها موسكو، وعدد من المدن الروسية الأخرى في نهاية عام 2011 ، اذ ردد المشاركون فيها، شعارا أساسيا مفاده: "نعم لانتخابات حرة".

 المؤلف في سطور

 يعمل جان رادفاني، أستاذا في الجامعة الباريسية. وهو جغرافي متخصص في روسيا وبلاد القوقاز. كان مديرا للمركز الفرنسي- الروسي للأبحاث في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية في موسكو، خلال الفترة من 2008والى 2012. من مؤلفاته: الأطلس الجغرافي- السياسي (الجيوبوليتيكي) لبلاد القوقاز.

 

الكتاب: عودة روسيا الأخرى

تأليف: جان رادفاني

الناشر: لورمون- باريس- 2013

الصفحات: 200 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Retour dصune autre Russie

Jean Radvanyi

Lormont - Paris- 2013

200 pp