بعد عقود عديدة من وفاته، ينشر عمل الكاتب الألماني ووافغانغ كويبن، أحد أكثر الكتّاب الألمان شهرة لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي يحمل عنوان "رحلة عبر أميركا".

وعلى غرار العديد من الكتّاب الأوروبيين الذين صاغوا انطباعاتهم عن أميركا، مثل ما فعل الكسي دو توكفيل، الذي أصبح أحد علماء الاجتماع المتخصصين في شؤون الولايات المتحدة ومسار تطورها، يشرح وولفغانغ كويبن كيف تحوّلت أميركا. ويذكر ما يعتبره المعالم الأساسية لهويتها ومصادر الإعجاب بها، ولكن أيضاً ما يراه من مسالب في حضارتها الحديثة.

كما يشرح المؤلف، الأسباب التي تجعل حضارات "العالم القديم"، وخاصة أوروبا التي تطلق عليها تسمية "القارة القديمة"، تعجب بأميركا. وتخشاها في الوقت نفسه. وكانت تلك هي الرحلة الحقيقية الأولى للمؤلف إلى أميركا، التي كان قد زارها مرّات كثيرة في مخيلته، مشيراً إلى أن رحلته تلك لم تكن بعيدة عن إرادة الولايات المتحدة في أن تجذب مثقفين أوروبيين، للتعرّف على "نمط الحياة الأميركية".

ومن خلال ما ينقله المؤلف من مشاهدات، ومن توصيفه لأميركا خلال سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، تقدم رؤية أخرى، غير تلك التي تسود عنها، حالياً. هذا إلى جانب عنصر المقارنة مع العالم الأوروبي، المهزوم في الحرب العالمية الثانية. وهكذا تمثّل الصفحات الأولى من كتاب: "رحلة عبر أوروبا"، توصيفاً لأوروبا خلال فترة ما بعد الحرب. إذ تبدو القارة القديمة "تحت الهيمنة الأميركية المرغوب بها من جهة والمفروضة وبالتالي تشكل مصدر تهديد من جهة أخرى".

يرى المؤلف أن هناك الكثير من ما يثير الإعجاب في أميركا. وبعد الإشارة إلى ما تمثله بالنسبة للعالم الحرّ، يشير بأشكال مختلفة، إلى أن "مشعل الحرية جرى استبداله بسيف التهديد". ويصف وولفغانغ كويبن، لحظة نزوله من السفينة التي أقلته إلى أميركا، ليجد نفسه في بهو مصلحة الجمارك.

وهكذا، يرى المؤلف في مدينة نيويورك، مسرحاً من الفولاذ والاسمنت والزجاج والجدران القديمة ذات الأحجار الضخمة. لكن ذلك يوحي أيضاً، بقصر من الورق المقوّى. ومن ما يوحي بالعواطف التي ربما تأخذ كل شيء عند هبوبها. وما يثير الانتباه في هذا السياق، أن المؤلف يبدو وكأنه يتوقع لأميركا، في مخيلته على الأقل، صورة شبيهة لتلك التي عرفتها بلاده، ألمانيا، التي خرّبتها الحرب العالمية الثانية.

وإلى جانب الإعجاب الذي يبديه المؤلف بأشكال مختلفة حيال أميركا والأميركيين، لا يتردد أيضاً توصيفهم بكثير من النعوت، التي ليس أقلّها: السطحية وقلّة الثقافة والخوف من الذات.

لكن، وفي الوقت عينه، يمثّل "التعايش بين الأعراق"، أحد أكثر ما يثير إعجاب مؤلف الكتاب، كما يدل ما يقدمه من توصيف. ذلك إلى جانب توقفه أمام موسيقى الجاز وكنائس الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية السود. أيضاً: جامعات كاليفورنيا وبيركلي - بما يمتلكانه من ثروات وموارد-، الكابيتول- الذي يفتح أمام من يشاء من الزائرين-.

تتراوح المشاعر المزدوجة التي تتردد على مدى صفحات الكتاب، بين إعلان الرغبة في العودة إلى ألمانيا.. إلى المنزل، وبين الإحساس بالحرية، منذ الوصول إلى مرفأ نيويورك. ويعرب عن إحساسه، في الوقت نفسه، منذ وصوله إلى تلك المدينة، بنوع من الرابطة العاطفية مع نيويورك ومع سكانها.

 

المؤلف في سطور

 

وولفغانغ كويبن، أحد أشهر الكتّاب والروائيين الألمان لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. من مؤلفاته: موت في روما، حمامات بين الأعشاب.

 

الكتاب: رحلة عبر أميركا

تأليف: وولفغانغ كويبن

الناشر: بيرغان بوك- لندن 2012

الصفحات: 172 صفحة

القطع: المتوسط

 

Journey through America

Wolfgang Koeppen

Berghahn Books - London ذ 2012

172 pp.