هناك الكثير من الأفكار التي تتردد حول ما يسمى "الموديل الألماني"، باعتباره رمزاً للنجاح الاقتصادي، فألمانيا، ومنذ عقود طويلة، القوة الاقتصادية الأوروبية الأولى. غيوم دوفال، رئيس تحرير مجلة "البدائل الاقتصادية - التيرنانيف ايكونوميك"، والذي عمل لسنوات في المؤسسات الصناعية الألمانية، يرى أن هذا النموذج الألماني يعاني من نقاط ضعف بنيوية، عديدة. وهذا ما يشرحه في كتابه الأخير: "صُنع في ألمانيا".

يطرح دوفال في البداية، مجموعة من الأسئلة، في مقدمتها: ماذا يُقصد بالحديث عن الموديل الألماني؟ وجاء في الإجابة، انه عند الحديث في فرنسا عن "الموديل الألماني"، إنما يُراد توجيه المديح عادة، للحزم الذي تبديه هذه البلاد على صعيد الميزانية، وقدرة الألمان على تقديم الكثير من التضحيات للإسهام في قدرة الصناعة الألمانية على المنافسة.

لكن مؤلف الكتاب لا يرى فيما يقال ويكرر، الأسباب الحقيقية للنجاح الذي يحققه الاقتصاد الألماني، بل يجد هذه الأسباب في عدد من "نقاط القوة التقليدية" لألمانيا، المتمثلة في: التمتع بمنظومة علاقات اجتماعية محكمة البناء، السيادة مفهوم في العمل لا تلعب فيه الشهادات الدور الحاسم،.

وجود شبكة صلبة من الشركات المتوسطة، تقاليد طويلة في ممارسة اللامركزية (ما يؤمّن في جميع أنحاء البلاد، رأسمال نقدي وثقافي واجتماعي وإنساني، يسمح بالتجديد وبناء مشاريع جديدة). ويشير المؤلف في السياق، إلى أن الازدهار الاقتصادي الذي عرفته البلدان الصاعدة، وفي مقدمتها الصين، خلال العقود الأخيرة، سمح للصناعة الألمانية، الاستفادة القصوى من "أوراقها الرابحة".

وفي المقابل، يرى المؤلف أن السياسة التي تبنّاها المستشار الألماني غيرهارد شرودر، مطلع القرن الحادي والعشرين، فيما يتعلق بالدور الاجتماعي للدولة، أدّت إلى هشاشة النموذج - الموديل - الألماني.

ويؤكد دوفال أن النتائج التي ترتبت على سياسة غيرهارد شرودر كانت في منتهى السوء بالنسبة للاقتصاد الألماني، بشكل عام، لافتاً إلى مجموعة إحصاءات تفيد أنه: "ما بين عام 1998 وعام 2009 لم يزد إجمالي الإنتاج الداخلي، بالنسبة للفرد الألماني، سوى بنسبة 7.6 بالمائة، مقابل 11 بالمائة كمتوسط زيادته في منطقة اليورو و10.6 بالمائة بالنسبة لفرنسا خلال الفترة ذاتها".

وعلى أساس مثل هذه الوقائع والأرقام، يصل المؤلف إلى نتيجة مؤداها أن شرودر نجح في جعل ألمانيا، التي كانت تعاني أقل من فرنسا، من التفاوت الطبقي، في ظل نظام هلموت كول الديمقراطي المسيحي - اليميني-، ألمانيا أخرى أكثر تفاوتاً من فرنسا، عندما ترك الحكم، أي شرودر.

يشرح المؤلف أن أول الضحايا لسياسات شرودر، مجموعة المهاجرين والنساء وأصحاب مستويات التأهيل المهني المتدنية.

ويؤكد المؤلف في تحليلاته، أن أحد نقاط القوة التي يتمتع بها "الموديل الألماني"، تتمثل في منظومته التربوية التي تؤكد أهمية التجديد العلمي والتكنولوجي، إلى جانب تثمين العمل الصناعي. وكذا سعي السلطات المستمر لمواجهة التحديات التي تلوح في الأفق، وفي مقدمها ندرة مصادر الطاقة التقليدية من نفط وغاز. وهكذا تحوّلت ألمانيا، منذ فترة ليست قصيرة، إلى الاهتمام بمصادر الطاقة البديلة والمتجددة.

 

المؤلف في سطور

 

غيوم دوفال. هو رئيس تحرير مجلة "البدائل الاقتصادية - التيرنانيف ايكوفوميك" الشهرية. درس الهندسة وعمل لسنوات في مؤسسات صناعية ألمانية متنوعة. من مؤلفاته: هل نحن كسالى؟.. 30 سؤالاً آخر عن فرنسا والفرنسيين، فرنسا فيما بعد الأزمة.

 

الكتاب: صُنع في ألمانيا

تأليف: غيوم دوفال

الناشر: سويل - باريس 2013

الصفحات: 240 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Made in Germany

Guillaume Duval

Seuil ذ Paris - 2013

240 pp.