من خلال تجربة له، استمرّت موسماً كاملاً، (2011-2012)، كان فيها أحد المساهمين الأساسيين في برنامج "نشرة الأخبار الكبرى"، ذات الطابع النقدي الساخر، على شاشة "قنال بلوس +"، يقدّم الفيلسوف والكاتب والروائي الفرنسي أوليفييه بوريول، كتاباً عن التلفزيون وعالمه عامة، وعن ذلك البرنامج الذي شاهده الملايين بانتظام.
العنوان الفرعي للكتاب: "كوميديا التلفزيون"، يوحي بالروح النقدية لمؤلفه الذي يقدم تجربته "التلفزيونية" وكأنها عملية "غرق فردي"، حسب تعبيره. ومثل أي كوميديا، يقدّم المؤلف مجموعة من الشخصيات التي تعبّر عن آرائها من خلال حوارات.
المجموعة التي يقدمها مؤلّفة من عدد كبير: جيش صغير، يضم المنتج ورئيس التحرير ومساعديه، وغيرهم. ولكل منهم دوره في الكوميديا. وفوق الجميع، هناك المنتج الأول للبرنامج أو "المنتج- السوبر"، ميشيل دونيزو.
الشخصيات المعنية التي يراها المشاهدون يبرزها المؤلف، وهي تجري في جميع الاتجاهات وتتحدث مع نفسها في الممرات، وبينما لا تتصور نفسها خارج العمل. ثم إنها لا تحمل أسماء وإنما مرتبات في السلم الوظيفي: "سلّم الأهمية في البرنامج"، وأحياناً تقدم بالحروف الأولى فقط. لكن المؤلف يحدد القول إن الشخصية الأولى في البرنامج مثل ما في غيره من البرامج التلفزيونية، حالياً: السرعة، الإلحاح، الإلحاح الضاغط - الساحق (الذي يتجدد في كل مساء).
يشرح المؤلف أنه وجد نفسه غريباً إلى حد كبير داخل تلك المجموعة- الفرقة. ذلك أنه بتكوينه الفلسفي وفي ميله نحو السينما والمسرح، أظهر رغبته في الحديث ضمن البرنامج، عن مشارب اهتمامه. لكنه فوجئ بما يعني القول: "لا يجري الحديث هنا عن الشعراء الموتى"، والتأكيد في هذا السياق، على أن المسألة لم تكن على خلفية احتقارهم للثقافة ولأهل الثقافة وللأدب والمسرح والسينما. لكن بالأحرى، بدافع "أخذ مسافة عن هذه المشارب كلّها".
النقد الأكبر، وربما الأكثر مرارة أيضاً، هو وصف المؤلف لأولئك الذي عمل معهم، بأنهم فقدوا صفتهم الإنسانية وأصبحوا مجرد بشر آليين: روبوات. لكنهم بشر آليون "متقنو الصنع" إلى درجة أنهم يتصرفون كـأشباه البشر، بل يعطون أحياناً، الانطباع أنهم يملكون عواطف وأحاسيس.
ويلفت المؤلف إلى أن أفراد "المجموعة الكوميدية" "ليس مسجّلاً" في برنامجهم سوى الرياء وإظهار ما هو مطلوب، لا أكثر ولا أقل. إذ يتجنبون مع تلك الحال، جميع المواقف غير المقررة أو الخارجة عن سياق البرنامج.
إن المؤلف، ومن خلال سلسلة من "المشاهد الصغيرة"، يشرح الكيفية التي يعمل بها برنامج تلفزيوني شهير. . وهو يعرّف القاعدة الأساسية السائدة: "بدلاً من إثارة اهتمام كبير، لدى عدد ضخم من الناس، يفضل إثارة اهتمام قليل لدى عدد كبير من الناس".
وهذا الخيار الثاني يمثل الطريق الأسرع للنجاح، حسب قوله، وربما أيضاً، لضرب أرقام قياسية في عدد المشاهدين. وفي المحصلة النهائية يصف المؤلف التلفزيون، أنه غابة يسود في داخلها "الأكثر شراسة". وكل فرد فيها يتربص هزيمة الآخر على أمل أن يرتقي على صعيد السلّم الوظيفي.
المؤلف في سطور
اوليفييه بوريول، كاتب وروائي فرنسي، أنشأ مؤسسة أسماها "ستوديو الفلسفة"، حيث نظّم العديد من المؤتمرات والمحاضرات حول العلاقة بين الفلسفة والسينما. كان أحد المساهمين الدائمين خلال 2011-2012 ببرنامج "نشرة الأخبار الكبرى" ذات الطابع الساخر في "قنال بلوس + " الفرنسية. عرف عدد من أعماله الترجمة إلى لغات أخرى ومن بينها "محبّ للسينما" و"في مديح المشاغبة"، إلخ.
الكتاب: أمام الشاشة، الكوميديا التلفزيونية
تأليف: أوليفييه بوريول
الناشر: نيل - باريس- 2013
الصفحات: 360 صفحة
القطع: المتوسط
On- off
Olivier Pourriol
Nil - Paris- 2013
360 pp
