عرفت فرنسا خلال العقدين الأخيرين، ظاهرة عنف كان يتمثل مصدرها الأساسي في الضواحي التي تسكنها أغلبية من المهاجرين. هذه الضواحي وما يشبهها، في داخل المدن الكبرى، أطلق عليها تسمية تعني "المدينة"، ولكن بمدلول الأحياء التي يسكنها اليوم أبناء المهاجرين بشكل خاص، والتي تتميز بتجمعات سكانية ضخمة.

هذه المدن - الأحياء الفقيرة، موضوع الكتاب - التحقيق لعالم الاجتماع والأستاذ الجامعي الفرنسي، جاك دونزيلو، الذي يكرّسه لواقع الاختلاط الاجتماعي والعنف في المدن. هذا على خلفية التحذير من شبح الشروخ التي تهدد النسيج الاجتماعي بسبب نوع من التقسيم الجغرافي. ويريد المؤلف أن يكون كتابه بمثابة الدعوة إلى تعبئة الجميع بسرعة، لمواجهة هذا الخطر.

يشرح دونزيلو أن المدن - الأحياء المقصودة كانت قد شيدت في سنوات الخمسينات في القرن الماضي، أثناء الفترة المعروفة بـ"الثلاثينات المجيدة"، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وكان الهدف منها: تعزيز المواطنة الاجتماعية، لتقوم بردم الهوة بين مختلف المواطنين الفرنسيين، وتفصل بين ما هو اجتماعي واقتصادي. وأولئك الذين سكنوا تلك المدن كانوا عامة، من أبناء الطبقة الأكثر فقراً، وهم بالتالي، اعتبروا انتقالهم إليها بمثابة ترقية اجتماعية.

الصورة تغيّرت تماماً خلال الثلاثين سنة الأخيرة، إذ غدت المدن - الأحياء، المقصودة، ترمز أساساً إلى التهميش الاجتماعي وتجميع الأقليات الأثنية والعقائدية وبروز مختلف أشكال التمرّد.

يقدم مؤلف الكتاب تحليلاته للأحياء المعنية، والتي تطلق عليها أيضاً تسمية الضواحي، على هيئة تحقيق ميداني. ذلك من خلال جولة أجراها، بدءاً من مرسيليا وإلى ستراسبورغ، ومروراً بروان وبوردو وباريس وغيرها. وفي جميع الحالات، يحاول المؤلف تبيان الرهانات الحقيقية لمختلف السياسات الخاصة بالمدن، منذ بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي، حتى الوقت الحالي، إذ قامت تلك السياسات على أساس مطلب الحركية الاجتماعية والتواصل الاجتماعي. ومن خلال هذا كله يدرس المؤلف العلاقات بين المسائل الاجتماعية والتوسع العمراني.

يلفت المؤلف في الإطار، إلى أن اليسار الفرنسي ركّز باستمرار، على مقولة المساواة بين جميع المناطق، والتأكيد على أن التنمية الاجتماعية للأحياء، تكمن في مساعدة المواطنين على تطوير حياتهم المشتركة.

ويستعرض المؤلف خطاباً للرئيس الأسبق فرانسوا ميتران، الذي أكد فيه أن ما ينقص سياسات اليسار آنذاك، كان إمكانات الدولة، أي زيادة عدد المدرّسين ورجال الشرطة وموظفي الخدمات العامة. ذلك على أساس أن مساعدة الأحياء المهملة تكمن في تخصيص اعتمادات مالية وإيجاد فرص عمل. ذلك بهدف أن تصبح الأحياء - المدن "الضواحي"، متساوية في الحقوق مع المناطق الأخرى. وكان ذلك يعني "نظرياً"، تحقيق المساواة، كما رفع اليسار باستمرار.

وأما اليمين فلديه رؤية أخرى، كما يشرح دونزيلو. ذلك أن هدفه الأول تمثل في إدخال السوق إلى الأحياء المقصودة، بحيث يحدث نوعاً من المنافسة التي يفوز فيها أصحاب الجدارة، وليس إحداث فرص عمل وهمية باسم المساواة في مقولات اليسار. والرؤية اليمينية وجدت ترجمتها في المبدأ الذي أعلنه آلان جوبيه، رئيس وزراء فرنسا عام 1996، تحت تسمية "المناطق الحرة المدينية". ذلك ضمن إطار برنامج إطلاق سياسة جديدة للمدن.

أحد المحاور الأساسية في هذا الكتاب يتمثل في عملية "المزج الاجتماعي"، هذا بمعنى تعايش أبناء مختلف الطبقات الاجتماعية في الحي ذاته.

 

المؤلف في سطور

 يعمل جاك دونزيلو، أستاذاً لعلم الاجتماع السياسي في جامعة باريس العاشرة "نانتير". من مؤلفاته: بناء المجتمع، عندما تفكك المدينة بنيتها.

الكتاب: فرنسا الضواحي "أحياء المهاجرين"

تأليف: جاك دونزيلو

الناشر: فايار- باريس- 2013

الصفحات: 200 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

La France des cités

Jacques Donzelot

Fayard - Paris- 2013

200 pp