كان الكاتب الشهير والتر بنجامان، قد أطلق على باريس، تسمية "عاصمة القرن التاسع عشر". وفي المقابل، أطلق ديريك ساير أستاذ التاريخ في جامعة لانكستر، على مدينة براغ التشيكية، مسمى: "عاصمة القرن العشرين"، كما جاء في عنوان كتابه: "براغ: عاصمة القرن العشرين".

وبراغ هي عاصمة القرن العشرين من حيث كونها وجدت نفسها على مفترق صراعات عديدة، في مقدمتها الصراع بين الديمقراطية والشيوعية والفاشية. وكانت براغ قد عرفت ثورات وغزوات لم يكن أقلها تلك الغزوة التي شاركت فيها الدبابات السوفييتية، لقمع الانتفاضة ضد الشيوعية عام 1968.

من الميزات الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف بالنسبة لبراغ، أن هناك الوجوه المتعددة والمتنوعة التي يرى فيها كل من يؤمّها، ما يبحث عنه. هكذا تبدو بالنسبة للسائح العادي، مزيجاً من قليل من التاريخ، وقليلاً من كافكا. وكذا من الطعام كثير الدسم. أمّا بالنسبة للسائح الثقافي، فإن براغ، مرادفاً للهندسة المعمارية التاريخية، ولقصص اليهود والمقاهي التي تعبق بالدخان.

ويلفت الكتاب، في السياق، إلى أن الكثير من الأفكار الأدبية والموسيقية والفنية والسياسية، ولد في عالم المقاهي، في مدينة براغ. وفي تلك المقاهي شهدت ثلاثينات القرن الماضي، العشرين، لقاءات عديدة بين السرياليين الفرنسيين، وعلى رأسهم اندريه بروتون والشاعر بول ايلوار، وبين نظرائهم التشيكيين.

يمثل الكتاب، عموماً، في أحد وجوهه الأساسية، تأريخاً ثقافياً للمنطقة المعنية ولأساطيرها. تلك الأساطير تجد أصداءها في هذا العمل، عبر المرجعيات العديدة التي يذكرها المؤلف لمجموعة من الأعمال الأدبية، وعلى رأسها أعمال ميلان كونديرا وفرانز كافكا. هذا إلى جانب العديد من المرجعيات الموسيقية والفنية عامة لمبدعين تشيكيين معروفين إلى هذه الدرجة أو تلك.

ويجد القارئ في الكتاب، الكثير من التفاصيل عن كل ما يتعلّق بمدينة براغ، ما تُظهره وما تخفيه. وإذا كان المؤلف يخص بعمله تاريخ براغ خلال القرن العشرين، فإنه يقدم لمحة موجزة عن تاريخ المدينة، منذ فترة ما قبل التاريخ وحتى الحقبة الراهنة. ويعيد بناءها إلى قرون عديدة قبل العصر الميلادي، حيث كانت ملتقى الطرق التجارية التي تربط الأقسام الجنوبية من أوروبا مع بلدان شمال القارة.

كما أخذت دورها كمركز تجاري مهم، اعتباراً من القرن العاشر الميلادي. إذ كان يؤمّها التجّار من مختلف أصقاع القارة القديمة، أوروبا. وكانت براغ تشغل مجموعة من الأراضي الأكثر خصوبة وعطاءً، والأكثر ثراءً بالإنتاج الزراعي، كما كتب عنها أحد التجار آنذاك.

وازدهرت المدينة خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.. فعرفت إنشاء أول جامعة في وسط القارة الأوروبية وشمالها وشرقها. يحدد المؤلف القول إن القرن السابع عشر كان بمثابة "العصر الذهبي لليهود" في براغ، حيث كان يسكنها حوالي 15000 منهم، أي ما كان يعادل 30 بالمائة من مجموع قاطنيها تقريباً.

والإشارة أن أحد أهم المظاهر التي رافقت الثورة الصناعية الكبرى تمثلت، أي الظاهرة، في ازدهار الأب التشيكي واكتسابه لأهمية كبرى في الثقافة التشيكية.

كانت تلك هي المقدمات الكبرى التي أسست لـ"براغ" كـ"عاصمة للقرن العشرين"، كما يكتب مؤلف هذا العمل. هذا وكانت الحرب العالمية الأولى قد انتهت بهزيمة الإمبراطورية الهنغارية - النمساوية وقيام تشيكوسلوفاكيا. وعندما غدت "براغ" عاصمتها وليس فقط عاصمية "بوهيميا"، حيث التسمية السابقة. بدت براغ عندها مثل "مدينة أوروبية ومتطورة صناعياً".

ويشدد المؤلف على أن براغ، كانت طيلة تاريخها، مدينة مختلطة السكان، مع وجود نسبة كبيرة من التشيكيين والألمان.

والصورة التي يقدمها المؤلف لبراغ، أنها كانت "عاصمة القرن العشرين". لكنها كانت، كما يرى، عاصمة قائمة الملامح، حيث كانت على مفترق الطرق بين الاتجاهات الديمقراطية والفاشية والشيوعية والحداثة. هكذا عرفت مختلف شروخ تاريخ الإنسانية في القرن الماضي.

 المؤلف في سطور

 ديريك ساير. أستاذ التاريخ الثقافي في جامعة "لانكستر". كان قد عمل باحثاً في جامعة ليبرتا. وهو عضو في الجمعية الملكية في كندا. من مؤلفاته: الرأسمالية والحداثة.

 الكتاب: براغ.. تاريخ سريالي

تأليف: ديريك ساير

الناشر: جامعة برنستون 2013

الصفحات: 656 صفحة

القطع: المتوسط

Prague, a surrealist history

Derek Sayer

Princeton University Press ذ 2013

656 pp.