يعيش العالم، حالياً، عصر الشاشات من كل نوع، شاشات السينما والتلفزيون والحواسيب والهواتف النقّالة وألعاب الفيديو.. وغير ذلك من أنواع الشاشات التي تسمح لنا، الدخول في عالم الشبكات.

وأمام مثل هذا الكم الكبير من الشاشات، تطلق فاليري شارول، الخبيرة القانونية والاقتصادية والباحثة في الفلسفة، سؤالاً مفاده: هل أصبحنا نعيش في (عالم الكهف)، الذي كان قد وصفه أفلاطون بدقة، حيث كان الإنسان في داخله، يأخذ الظلال على أنها حقائق؟

الإجابة عن هذا السؤال، تمثل المحور الرئيسي للكتاب الذي تقدمه صاحبته، أي صاحبة السؤال، تحت عنوان: "فلسفة الشاشة.. في عالم الكهف".

"عالم الكهف" الذي وصفه أفلاطون في كتابه الشهير "الجمهورية"، وتحديداً في "الجزء السابع" منه، يمثل صورة الفيلسوف الذي يبحث عن الحقيقة. وتقول الرواية، إن مجموعة من البشر قيدوا أمام جدار، حيث كانت نار مشتعلة تعكس ظلالهم على الجدار. وكانوا يعتقدون أن تلك الظلال: الواقع ولا الظل. لكن أحدهم استطاع أن يفك قيوده ويخرج من الكهف ليرى نور الشمس، ومن ثم يعي الواقع كما هو.

تشرح المؤلفة أن البشر يولدون ويعيشون ويموتون، في وقتنا الحالي، وسط عالم من الشاشات. ولا يمكن أيضاً تصوّر عالم السياسة والاقتصاد، من دون هذه الشاشات. وباختصار أصبحنا نعيش إلى حد كبير في عالم افتراضي. ذلك أن وصول العالم الرقمي، أدّى إلى تغيير كبير وعميق في علاقتنا مع الواقع، كما خلق نمطاً جديداً من العلاقات في عالم البيع والشراء، وعدّل في مجال التمييز بين ما هو عام وخاص.

إن المؤلفة، وفي نوع من العودة إلى الماضي القريب، وكذلك في نوع من الحنين إلى ذلك الماضي، تحلل التبدّي الكبير الذي عرفته الحضارة الإنسانية في عصر ثورة المعلوماتية، وتبيّن كيف أن الإطار الفكري الذي ساد في أوروبا منذ عصر التنوير، خلال القرن الثامن عشر، أصبح معطّلاً في عالم الشبكات والشاشات القائم.

وترى المؤلفة أن أهم وأعمق التبدّلات التي رافقت ثورة المعلوماتية وبروز العالم الافتراضي، تتمثل في علاقة الإنسان مع "الزمان والمكان". فهذه العلاقة غدت متحرّكة باستمرار وسريعة. والنتيجة المباشرة: ازدياد المشاعر التي تصب في الاعتقاد، أنه أصبح من الصعب فهم العالم الذي نعيش فيه.

وتحدد المؤلفة، جملة أهداف تحققها جهات محددة، عبر الشبكات الصغيرة التي يمكن وضعها في الجيوب وحتى الشبكات العملاقة التي توضع أحياناً في الساحات العامة.. ومروراً بـ"الشبكات التي تحفل بها بيوتنا" وتجتمع حولها الأسرة. ومن بينها: هيمنة الأسواق، سيطرة وسائل الإعلام، الحضور الطاغي لمجتمع الاستعراض، حرية الشبكات الرقمية.

تنتهي المؤلفة إلى القول، إن العلم نقلنا في الفترة التي يجري توصيفها بـ: "فجر الأزمنة الحديثة"، من العالم المغلق إلى العالم غير المتناهي، اللامحدود. وأما الحقبة الراهنة، دفعت إلى الانتقال من العالم غير المتناهي إلى منظومة افتراضية.

وتؤكد المؤلفة أن المطلوب هو بناء مفاهيم تتطلبها منظومة العالم الجديد ومحاكاة التطور القائم. وفي هذا المعنى، تطالب بنوع من الثورة في الفكر، للتمكن من امتلاك بوصلة توجّه في عالم افتراضي مسيطر.

 المؤلف في سطور

 تعمل فاليري شارول في إطار "محكمة الحسابات" الفرنسية ذات السلطة العالية في مراقبة نفقات الدولة. وهي أستاذة في كلية العلوم السياسية في باريس. كانت قد شغلت منصب المدير المالي لإذاعة فرنسا.

 الكتاب: فلسفة الشاشة في عالم الكهف

تأليف: فاليري شارول

الناشر: فايار- باريس- 2013

الصفحات: 312 صفحة

القطع: المتوسط

 

Philosophie de lصécran

Valérie Charolles

Fayard - Paris- 2013

312 pp