شاعت في الغرب الأوروبي، قبل قرون، مقولة مفادها: "الانتصار على الظلمات بواسطة العلم". مثل هذا الأفق هو الذي فتح آفاقاً جديدة أمام مسيرة العلوم، وصولاً إلى محاولة السيطرة على الطبيعة عبر العلم.
وإذا كان العلم قد حقق قدراً كبيراً من التقدم، فإن العديد من العاملين في حقول المعرفة المختلفة، أظهروا مخاوفهم حيال المآل الذي سيؤدي إليه العلم وما طرحه من أسئلة وإشكاليات على البشر، في مجالات كثيرة، إذ رفعوا شعار المطالبة بـ"السيطرة على العلم" نفسه. وفي إطار مثل هذا الشعار، يندرج كتاب الأستاذة في جامعة "بروكسل الحرة"، إيزابيل ستنجر: "علم آخر ممكن".
تتمثل الأطروحة الأساسية في الكتاب، في القول إنه ينبغي على العاملين في حقل العلم، طرح جملة أسئلة على أنفسهم إذا كانوا يريدون أن يعطوا "قوة نقدية" لنشاطاتهم. وتعتمد المؤلفة في أطروحتها، على فكرة كان قد طرحها الفيلسوف الأميركي وليام جيمس، في مقال يعود نشره إلى عام 1903ـ تعيد المؤلفة نشره في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب ـ والذي ينطلق فيه، من واقعة محددة عرفها أثناء عمله الجامعي.
تقول الواقعة، إن أحد طلبته الموهوبين والعارفين علمياً، باعتراف جميع الذين يحيطون فيه، من المسؤولين في تلك الجامعة، أنه لا يحمل شهادة الدكتوراه. وأخطروه أنه سيفصل إذا لم يحصل على تلك الشهادة. ويتساءل جيمس: لماذا هذا الإلحاح على الشهادة؟
وسؤال آخر: إذا كانت كفاءة الطالب العلمية لا يرقى لها الشك.. فماذا ستضيف له حيازة الدكتوراه؟ يشكل مقال جيمس، نقداً لاذعاً للولع بالشهادات في عصره، وتشجيعاً للبحث الأصيل والكفاءة العملية. كما يشرح أن التعلّق بالشهادات يبعد الشباب عن "التعامل مع الحقيقة"، ويفرض عليهم المرور في الامتحانات. هذا وصولاً إلى قوله، إن ذلك يساعد على قيام عالم يكون التمسك فيه بالإطار الشكلي، سبباً في ضحالة التنوع، وفي القدرة على التجديد.
تستعرض المؤلفة أفكار وليام جيمس، وتجعل من مقالته نفسها، ملحقاً مستقلاً في كتابها. وتأخذ منه التأكيد على ضرورة فتح السبيل أمام نقاش فكري عميق وجذري حول العلم اليوم. وتطرح السؤال التالي: أين يقع العلم وأين تقع الظلمات اليوم؟ وهل التعارض بين هذين القطبين يدفع بالإنسانية إلى الأمام؟ كما تشرح واقع أن "إصلاحات ليبرالية جديدة"، أسست، منذ بداية القرن الحالي، لما يسمّى بـ"اقتصاد المعرفة"".
وفي السياق، توجه المؤلفة، اتهاماً صريحاً وقوياً، لما تسميه: "ثقافة التخصص العالي والمفرط"، التي ترى أنها تكبح انتقال المعارف وتعميمها. كما تنقد واقع "إيديولوجية العزل".
تخلص المؤلفة إلى القول، إنه ينبغي على الحكومات الأوروبية المختلفة، أن تعيد النظر جذرياً في "سياسات البحث العلمي" في بلدانها. هذا إلى جانب تأكيدها على تناقضات عالم البحث نفسه، مشيرة إلى ضرورة مقاومة مزاعم المعارف العلمية بامتلاكها سلطة عامّة، تمارسها في برجها العاجي، بعيداً عن أي تعميم لهذه المعارف على الجميع. والاقتراح الأساسي الذي تقدمه المؤلفة هو اللجوء إلى "إبطاء مسيرة العلوم".
المؤلفة في سطور
تحمل ايزابيل ستنجر، مؤلفة الكتاب، شهادة الدكتوراه في الفلسفة. وتدرّس في جامعة "بروكسل الحرّة". قدّمت عدداً من الكتب حول تاريخ العلوم وفلسفتها. من مؤلفاتها: اختراع العلوم الحديثة. نالت جائزة الفلسفة من الأكاديمية الفرنسية لعام 1993.
الكتاب: علم آخر ممكن
تأليف: ايزابيل ستنجر
الناشر: لاديكوفيرت - باريس - 2013
الصفحات: 216 صفحة
القطع: المتوسط
Une autre science est possible
Isalbelle Stengers
La Découverte - Paris- 2013
216 pp
