سمعنا الحديث يتردد طويلاً عن أهمية وجبة فطور الصباح، وردد الأطباء وخبراء التغذية والأمهات عامة، أنها تمثل الوجبة الأساسية التي ينبغي أن يحرص الجميع على تناولها للشروع بيوم عمل طويل. وتتميز هذه الوجبة الصباحية بقدر كبير من التنوع والاختلاف من منطقة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر وأحياناً من مدينة إلى أخرى.
لكن هذه الوجبة لها تاريخها، وهذا التاريخ هو بالتحديد موضوع كتاب عالم اللغات والمتخصص في تاريخ الأغذية، أندرو ديلبي، الذي يحمل عنوان: "كتاب وجبة فطور الصباح".
يشير المؤلف، بداية، إلى أن لكل شعب من شعوب العالم تقاليده حيال وجبة الصباح. الأميركيون مثلاً يحرصون على تناول البيض والحبوب. ويتناول اليابانيون الأرز وحساء الـ"موزو". والفرنسيون يحرصون على تناول الزبدة وأنواع الحلوى أما الإنجليز فلا يترددون في تناول اللحوم، الخ. ولكن في الحالات كلها، جرى الوصول إلى الصيغة الحالية لوجبة الفطور عبر عملية تكدّس تاريخي طويل.
إحدى النتائج الأساسية التي يخرج بها المؤلف من تقصّيه التاريخي حول وجبة الفطور، أنها الوجبة الأكثر أهمية في اليوم. وأحد أكثر الوجبات تنوّعاً. لكن إذا كانت تختلف وتتباين من منطقة إلى أخرى، فإن الأفراد يميلون في المقابل، إلى تناول الأطعمة نفسها كل صباح.
وعلى غرار أي بحث علمي، يطرح المؤلف عدداً من الأسئلة. ثم يحاول الإجابة عنها. ومن بين تلك الأسئلة: هل وجبة الفطور تختلف حقيقة عن بقية وجبات اليوم؟ وهل عناصر مواد- الغذاء فيها تتمايز عن بقية المواد الغذائية؟ وبالتالي هل لوجبة الفطور معنى مختلف عن غيرها من الوجبات؟ إن المؤلف يدرس خاصة النموذج البريطاني لوجبة الفطور.
يؤكد المؤلف أن الحقبة الفكتورية حكم الملكة فكتوريا- شكّلت منعطفاً في تاريخ وجبة الفطور، ذلك عندما جعلت منها تقليداً احترمه الإنجليز لاحقاً. وكانت الطبقات الوسطى والعليا في المجتمع هي التي أسست لذلك التقليد، اعتباراً من بداية القرن التاسع عشر.. إذ كانت تجتمع الأسرة حول طاولة عليها أصناف عديدة من المأكولات. وترافق ذلك مع احتساء الشاي.
وكانت مأدبة البريطانيين الصباحية تحتوي على منتوجات من مختلف أصقاع الإمبراطورية الشاسعة آنذاك، وخاصة من المواد التي تنتجها الهند. ويشير المؤلف في هذا السياق، بكثير من التفاصيل، إلى ما كانت تحتوي عليه "طاولة الأرستقراطيين" الإنجليز، من ما لذّ وطاب من فواكه ولحوم. وجرى بعد ذلك تعميم الوجبات التقليدية الصباحية، وغدت موضع اهتمام عام.
يكرّس المؤلف عدداً من صفحات الكتاب للكيفية التي غيّرت فيها الثورة الصناعية الكبرى، إذ بدأ مفهوم "السرعة" يفرض نفسه على إيقاع الحياة اليومية، بما في ذلك ما يتعلق بالوقت المكرّس لوجبة الفطور. هذه الوجبة غدت أكثر نمطية وأقل تنوّعاً. لكن كان لا بد من انتظار فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وما قبل الحرب العالمية الثانية، كي تصبح وجبة الفطور تقليداً في الفنادق والمقاهي. هذا مع تبنّي التسمية الإنجليزية. ولكن أيضاً تبنّي المفهوم الإنجليزي.
ما يؤكد عليه المؤلف، أن تقاليد وجبة الفطور الإنجليزية تقهقرت كثيراً على صعيد الحياة اليومية للإنجليز.
المؤلف في سطور
أندرو ديلبي. متخصص في علم اللغة ومترجم ومؤرخ. سبق له أن قدم العديد من الكتب، عن عالم الغذاء والتغذية، في عدادها: الأجبان: تاريخ شامل.
