تسود في الغرب، منذ سنوات الثمانينيات والتسعينيات المنصرمة، مقولة مفادها، أن أسطورة "النمور الآسيوية"، أصبحت واقعا ملموسا. والصحافي جوي ستدويل، أمضى ما يزيد عن عشرين سنة في آسيا كمراسل لـ "الفايننشال تايمز". وهو يقدم كتابا تحت عنوان: "كيف تعمل آسيا؟"، يشرح فيه "أشكال النجاح والفشل في أكثر مناطق العالم دينامية"، كما يقول عنوانه الفرعي. ويحاول أن يبيّن فيه، دور آسيا "الصاعدة" في مستقبل العالم.

إن مؤلف الكتاب، من موقعه كخبير في الاقتصاد الآسيوي عامة، والصيني خاصة، يؤكد أنه لا يوجد نموذج آسيوي واحد ووحيد يمكن تطبيقه على مفهوم التنمية الآسيوي. لكن هناك في واقع الأمر، نموذجين بالنسبة لسياسات التنمية. هذا مع استثناءات ثلاثة، لأسباب متباينة، تخص كل من كوريا الشمالية وهونغ كونغ وسنغافورة.

النموذج الأول يجده المؤلف لدى بلدان شمال شرق القارة الآسيوية. والتي عرفت قفزات اقتصادية هائلة، خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. وتتشكل المجموعة المقصودة من اليابان التي حققت ما جرت تسميته بـ"المعجزة اليابانية"، ثم كل من كوريا الجنوبية وتايوان، اللتين غزت منتجاتهما في عدد كبير من الميادين، مختلف مناطق العالم.

النموذج الثاني يحدده المؤلف في مجموعة البلدان التي أُطلقت عليها تسمية "النمور الآسيوية"، الموجودة في منطقة جنوب شرق القارة الآسيوية. فالبلدان المعنية فقدت الكثير من مكانتها خلال السنوات الأخيرة، وهي تتشكل من تايلند والفلبين واندونيسيا، وبدرجة أقل ماليزيا.

ويحدد المؤلف، الخطأ الكبير الذي وقعت فيه هذه البلدان، متجسدا في كونها أظهرت الكثير من الانصياع للتوجيهات التي أصدرتها المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مؤكدا أنه كان من الأجدى والأفضل بالنسبة لهذه البلدان، الاقتداء بالنموذج الذي تبنّاه رئيس كوريا الجنوبية في سنوات السبعينيات في القرن الماضي: بارك شونغ هي. وهو والد الرئيس الكوري الجنوبي الحالي، الذي تعرف بلاده اليوم ازدهارا اقتصاديا مرموقا.

وفي مجال البحث عن "كيفية عمل آسيا"، يحدد المؤلف جملة شروط جوهرية للنجاح. يتمثل أولها في التأكيد على الدور الحاسم لعملية "إصلاح زراعي"، وفق نمط وتوجه: إعادة توزيع قطع صغيرة المساحة من الأرض على أكبر عدد ممكن من المزارعين. هذا مع إعطاء الأولوية للبلدان المكتظّة بالسكان( كما حدث في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية). واما الشرط الثاني، فيتمثل في تكوين شركات صناعية ذات كفاءات عالية. ويحدد الثالث بوضع القطاع المالي في خدمة تحقيق الشرطين السابقين الخاصّين بـ"الإصلاح الزراعي"، و"الشركات ذات الكفاءة الصناعية العالية". ذلك عبر تمويل القطاع المعني، المالي، المشاريع الزراعية، خاصة الصغيرة منها من جهة. والاستثمار على مدى واسع في تنشيط القطاع الصناعي.

في الصفحات الأخيرة من الكتاب يبدي المؤلف بعض تحفظاته حول مستقبل النموذج الصيني. ذلك أن الصين تقترب من نموذج بلدان شمال شرق القارة الآسيوية. ذلك من واقع أنها كانت قد تبنّت في سنوات السبعينات المنصرمة، وتحديدا في سنوات ما بعد 1978 سياسة إصلاح زراعي، من جهة. وطورت العديد من الشركات الصناعية التي أرادت لها أن تكون عنوان تقدمها وازدهارها، من جهة أخرى.

ويرى المؤلف أن هناك شكوكا كبيرة حول إمكانية أن تستطيع الصين تطوير صناعاتها المكرّسة للاستهلاك، وأيضا حول الإدارة الجيدة للمسألة السكانية الديموغرافية، حيث أن سياسة "طفل واحد لكل أسرة" جعلت البلاد تعاني من نقص المكوّن الشبابي في المجتمع مقابل زيادة عدد المتقدمين في السن.

ومن السمات الأساسية التي تتصف فيها تحليلات هذا الكتاب هي تأكيد المؤلف بأشكال مختلفة أن المؤسسات الدولية، متمثلة خاصة بالبنك الدولي وبصندوق النقد الدولي وبمنظمة التجارة العالمية، تلعب دورا معطّلا للتنمية في البلدان الآسيوية، كما في بقية بلدان العالم.

المؤلف في سطور

جوي ستدويل. رئيس تحرير مجلة "ايكونوميك كوارترلي شاينا". متخصص في المسائل الآسيوية. يسهم بالكتابة في عدد من الصحف والدوريات، من بينها : الايكونومست، الفننشال تايمز، ازيان وول ستريت، المجلة الاقتصادية للشرق الأقصى.