كيف نرى الماضي؟

الفكرة السائدة هي أن الماضي الإنساني كان ملعبا للصراعات والمنافسات بين الجماعات البشرية المتنوعة، منذ زمن الصيد والقطف، من أجل الحصول على ما يؤمن الغذاء والبقاء، وحتى زمن الدول المتصارعة من أجل بسط نفوذها وحماية حدودها وتأكيد سيادتها على أراضيها.

هذه هي النظرة الشائعة، لكن هناك نظرة أخرى لا ترى في هذا الماضي مجرّد صراعات ونزاعات. بل ترى أن السمة الأساسية فيه هي التضامن بين المجموعات البشرية، بدافع البقاء أولا، وتأكيد هويتها "الإنسانية" ثانيا.

وعن هذا الماضي، وكيفية النظر إليه، يقدم أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا الأميركية، كتابا تحت عنوان: "الماضي غير المنقسم". ويبحث فيه عن "التاريخ في ما هو أبعد من خلافات البشر"، كما جاء في عنوانه الفرعي.

لكن هذه الخلافات يجدها شكّلت أحد محرّكات التاريخ الأساسية على أساس التباين في الأمة والطبقة والجنس والعرق والمعتقد، كما في الكثير من مكونات الهوية. هكذا سادت مقولات شاعت وراجت، يذكر منها المؤلف :"نحن في مواجهة الآخر" و"الأسود في مواجهة الأبيض" و"صدام الحضارات"، حسب مقولة صموئيل هنتنغتون الشهيرة.

أحد الأفكار الأساسية التي يؤكد عليها مؤلف الكتاب، أن التضامن الإنساني شكّل باستمرار، أحد أنجع السبل من أجل تغيير العالم. وهو الذي يستطيع أن يغيّر مصائر الملايين، وليس نزعة الأنانية الفردية التي تتحكم بسلوكيات البشر في عصر الاستهلاك المادي. لكن التاريخ البشري لم يكن مطبوعا أساسا بنعمة التضامن. ولكن بنعمة التنافس.

ويحدد المؤلف القول أن نظرة البشر الى التاريخ، تختلف تبعا للجيل الذي ينتمون اليه، وللمهنة التي يمارسونها ولاهتماماتهم الفكرية والسياسية. وهكذا ربما لا يرى كُثر في التاريخ سوى مادة مدرسية عليهم أن يتعلّموها في سنوات دراساتهم. لكن ربما يزداد اهتمامهم بالتاريخ، أي بالماضي، مع تقدمهم في السن.

أما بالنسبة للقادة السياسيين فإن النظرة إلى الماضي تبدو مشروعا أكثر جدية، وهذا يبدو في اهتمامهم بمحتويات مادة التاريخ في البرامج المدرسية. ذلك على أنهم يرون في التاريخ: "أداة أساسية لتعزيز الوحدة الوطنية ولإعداد المواقف السياسية".

وينظر المؤلف إلى الماضي عبر طريقة كتابة المؤرخين للتاريخ. إذ يشير إلى أن البعض منهم اختاروا أن يكونوا خدما بمحض الإرادة، لمشاريع سياسية من كل نوع. ذلك على غرار أباطرة العصور الوسطى الأوروبية، الذين كان لديهم من يقومون بالدعاية لهم، ورؤساء أفارقة كان في حاشيتهم شعراء "=يدبّجون قصائد المديح"= تمجيدا لهم.

 وبالوقت نفسه كان لخصوم هؤلاء وأولئك من يقومون بالمهمة ذاتها. وفي هذا الصدد، يشرح دافيد كانادين أن العديد من المؤرخين، فعل الكثير من أجل تقسيم الإنسانية بين "نحن وهم". هذا في الوقت الذي يؤكد فيه أن تاريخ هذه الإنسانية يشكل التعبير الأكثر بلاغة عن "الماضي غير المنقسم"، مثل ما يقول عنوان الكتاب.

وفي مواجهة مختلف فئات المؤرخين المأخوذين بالولاء لشخص أو لإيديولوجية أو لعرق، يطالبهم المؤلف بضرورة التخلّي عن أفكارهم المنحازة لقومية أو معتقد أو عرق أو جنس أو طبقة، وعدم التركيز على ما يفرّق الإنسانية، ولكن على ما يوحدها.

 

المؤلف في سطور

 

يعمل دافيد كانادين. أستاذا لمادة التاريخ في جامعة كولومبيا الأميركية. لديه العديد من الدراسات والمقالات حول النظرة التاريخية للماضي والإنسان ولتاريخ الأفكار. وهو صاحب الكتاب المعروف: "حكم العالم: تاريخ فكرة".