بعد أن قدّم المؤرخ الفرنسي ميشيل وينوك، عددا من الأعمال عن التاريخ الفرنسي السياسي، وعن أدباء فرنسا ومبدعيها، صدر له قبل أسابيع كتاب جديد عن سيرة حياة غوستاف فلوبير، صاحب رواية "السيدة مدام- بوفاري" الشهيرة.
ليست هذه المرة الأولى التي تقدم فيها سيرة حياة غوستاف فلوبير. ولكن كل عمل لميشيل وينوك بمثابة حدث مهم . وكل عمل موضوعه غوستاف فلوبير، يثير بالضرورة، اهتمام القرّاء الفرنسيين. وعن سؤال: لماذا تقديم سيرة حياة جديدة لغوستاف فلوبير؟ يجيب وينوك، إنه يريد أن يشارك الآخرين إعجابه الشديد بصاحب رائعة "مدام بوفاري".
هذا لاسيما وأن طبعة "بلياد" الأخيرة، التي تهتم بجمع أعمال المبدعين في مجلّد واحد، تحتوي على كمّ كبير من رسائل فلوبير التي لم تخضع أبدا لأية رقابة. ومن هنا، يرى ميشيل وينوك وجود فرصة حقيقية لاجراء "مقاربة شاملة" لفلوبير، الإنسان والأديب المبدع.
يقدم وينوك، فلوبير : الإنسان والكاتب والعاشق. من خلال فصول عنونها ب : الآفاق المختلفة، رغبة الشرق، علاقته بلويز( حبّ حياته). . إنه فلوبير في كل وجوهه، كما يشرح وينوك.. العبقري، ولكن أيضا "أبله العائلة"، كما وصفه جان بول سارتر في أحد دراساته عنه. ويركز وينوك في مسيرة فلوبير الشخصية على أنه خرج عن المسار الذي كانت تريده له أسرته البرجوازية.
يبين المؤلف أن غوستاف فلوبير، ابن طبيب جرّاح شهير. لكنه تنكّر إلى ذلك الإرث وخان طبقته، مبتعدا عن نمط العيش البرجوازي. ولا يتردد كاتب السيرة في القول ان فلوبير عانى في سنوات شبابه الأولى، من أزمة عصبية قويّة، بسبب التناقضات ومختلف أشكال الضغط التي مارستها عليه أسرته.
ووصل الأمر، إلى أن أسرته شكّت في قدراته العقلية، كما يشير المؤلف. وعلى قاعدة مثل تلك الخشية ابتعدت عن الضغط عليه. وما أكّده غوستاف فلوبير لاحقا، أنه كان يحب أسرته كثيرا، لكنه كان في المقابل، لا يريد إطاعة أوامرها والخضوع لرغباتها.
ويشير المؤلف إلى أن مختلف كتب التاريخ الأدبي تعد فلوبير بمثابة "عبقرية في الأسلوب" وأنه "تخلّى عن حياته من أجل الكتابة" وأنه كان شديد الإخلاص للفن. كذا كان غوستاف فلوبير يمثل في داخله شخصية المهاجر.
ذلك ما تبدّى من خلال "الرحلة الكبيرة التي قام بها إلى الشرق"، إلى جانب أسفاره إلى منطقة "بروتانيا" الفرنسية أو إلى انكلترا أو إلى جزيرة كورسيكا. باستثناء هذه الأسفار عاش فلوبير في "الحجر" الذي "صفره" لنفسه في بلدة "كرواسيه" في منطقة النورماندي، مسقط رأسه عام 1821. وفي تلك البلدة نفسها توفي عام 1880.
كان فلوبير، كما يصفه المؤلف، ميّالا لحياة العزلة، لكنه كان يحب في الوقت نفسه، جعل الصحراء زاخرة بالسكان عبر إبداعه.
وينتهي المؤلف إلى القول ان فلوبير بقي طيلة حياته، مثل فرنسا نفسها، تأكله التناقضات. كانت فرنسا تبحث عن نفسها بين الجمهورية والإمبراطورية والملكية. وكانت حياة فلوبير تخضع لذلك القانون العام، حيث واجه التاريخ من موقع الفنان عندما شعر أن الحمقى لا يلعبون الدور الحاسم في الحياة الاجتماعية، ولكن أيضا في الحياة الفكرية.
المؤلف في سطور
ميشيل وينوك. مؤرخ فرنسي، اشتهر بأعماله عن التاريخ السياسي الفرنسي، والتي تمت ترجمة معظمها إلى العديد من اللغات الأجنبية. أحد المتخصصين المرموقين في الجمهوريتين الفرنسيتين: الرابعة والخامسة التي أسسها الجنرال ديغول عام 1958. قدّم عددا من سير حياة أدباء وقادة فرنسيين، منها: سيرة حياة فكتور هوغو.
