باراك اوباما، هو أول رئيس أميركي داكن البشرة أسود في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية كلّه، ولا شك أن انتخابه عام 2008، ثم إعادة انتخابه من جديد بعد أربع سنوات، دفع إلى الاعتقاد في أن مسألة "لون البشرة"، لم تعد تطرح مشكلة في الولايات المتحدة الأميركية.

ولم تعد، كما كان الأمر في الماضي غير البعيد، معيارا للتمييز بين الأميركيين، البيض، والأميركيين ذوي الأصول الإفريقية، أي السود.

ولكن مثل هذا الاعتقاد، لا يزال يستحق الخوض في نقاش معمّق حول هذه المسألة، رغم "إلغاء العبودية" في القديم، وانتخاب "رئيس أسود" في الوقت الحالي.

وهذا بالتحديد، موضوع كتاب "أميركا ما بعد العنصرية"، الذي تشرف عليه المؤرخة الفرنسية المتخصصّة في التاريخ الأميركي بولين بيريتز، بمساهمة عدد من المؤرخين الآخرين المهتمين في هذا التاريخ.

ما يقرّ به المساهمون جميعا، وفي أشكال مختلفة، وأيضا في كثير من التأكيد، أن مسألة العرق لا تزال "فاعلة تماما" في صياغة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في أميركا التي لا تزال حتى الوقت الحالي، قائمة إلى حد كبير، على مفهوم التباين والاختلاف.

هذا على الرغم من القطيعة الحقيقية الجوهرية التي مثّلتها حركة الحقوق المدنية، التي كان موضوعها الأساسي، المساواة في الحقوق والواجبات بين الأميركيين، بعيدا عن العرق واللون والمعتقد.

إن العرق القائم على أساس "الأصول البيولوجية" لا يزال، كما تشير التحليلات المقدّمة، بمثابة مفهوم متحرّك في الولايات المتحدة الأميركية. ويؤكد الباحثون في هذا السياق، أن واقع التنوع الاثني والقومي والعرقي المنحدر من تنوع مصادر المهاجرين، وما وصل إليه بعد "نضالات" عديدة ومن إنجازات، ربما يسمح بالقول ان أميركا دخلت في عصر "ما بعد العنصرية".

لكن المساهمين في هذا العمل، من مؤرخين وعلماء اجتماع، من بينهم أوروبيون- فرنسيون وبريطانيون- وأميركيون، يطرحون مثل هذه النتيجة، بصيغة السؤال التالي: هل أميركا بصدد أن تصبح ما بعد عنصرية؟ وفي سياق الالجابة، نتبين أن محتويات هذا العمل تتوزع بين ثلاثة أقسام رئيسية: النضال من أجل المساواة في القرن العشرين، العرق كمفتاح للعلاقات الاجتماعية، أميركا في حقبة أوباما.

وهناك عدد من الإحصاءات يقدمها المسهمون في الكتاب، ولها أهميتها في فهم "الواقع العنصري" في أميركا حاليا. هكذا نعرف أن الأميركيين السود، والذين تتداول تسميتهم الشائعة أيضا، بالأميركيين ذوي الأصول الإفريقية. يشكلون نسبة 12,8 بالمائة من مجموع الأميركيين، أي ما يعادل 39 مليون نسمة.

ويبلغ أمل الحياة 72,8 سنة بالنسبة للسود، مثل 78 بالنسبة للبيض. وتدل إحصاءات أجريت عام 2007، أن دخل الأسرة السوداء في أميركا كان 33916 دولارا سنويا، مقابل 53920 بالنسبة للأسرة البيضاء. أما معدل البطالة فبلغ 13,3 في المائة بالنسبة للسود، مقابل 8,5 بالمائة بالنسبة للبيض.

ويشير الكتاب إلى أن العمليات الإحصائية بمختلف أشكالها ساهمت في إضفاء صيغة "مؤسساتية" على الفئات العرقية والاتنية في الولايات المتحدة. هكذا سمحت الإحصائيات منذ عام 1790 حتى عام 1940، بمعرفة كيف أن صيغ التصنيف للمنحدرين من أصول سوداء اتسعت لتشمل فئات أخرى. هكذا أيضا دخل العرق كمعيار للانتماء الاجتماعي في السياق الأميركي. وما شكّل بالوقت نفسه أساسا نظريا لتهميش السود.

وفي الصفحات الخاصة بوصول الرئيس الأميركي الأسود باراك أوباما إلى قمة هرم الدولة في القوة العظمى الأولى في العالم، تلفت الابحاث إلى أن ذلك الشعار الذي رافق ذلك الوصول، مفاده: " حلّ التغيير". وتزامن ذلك مع إحساس ساد لدى أغلبية السود، في أنهم أصبحوا مواطنين كاملي المواطنة، كما أظهر الكثير منهم اعتزازه بانتمائه إلى بلاد اختارت لقيادتها رئيسا أسود.

المؤلفة في سطور

 

بولين بيريتز. مؤرخة متخصصة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية المعاصر. تحمل شهادة التأهيل العليا "اغريغاسيون" في التاريخ. وهي أستاذة في جامعة نانت.

المؤلفون الآخرون. هم من المختصّين أيضا، في مجال التاريخ عامة، وفي التاريخ الأميركي المعاصر، خاصة. وكذلك في مجال علم الاجتماعي.