يطلقون على اختبار الحمض النووي: "دي ان اي": (DNA) توصيف "ملك الأدلّة" بالنسبة لمرتكبي الجرائم. و"العدالة اعتمادا على المورثات، الجينات" هو عنوان الكتاب الذي يقدّمه الأستاذ الجامعي المتخصص في مسائل البيئة والصحة شيلدون كريمسكي، والمستشارة العلمية لأحد أهم الجمعيات الأميركية في مجال الدفاع عن الحقوق الفردية، تانيا سيمونسيلي، وينقّبان فيه بـ"سجل بصمات الحمض النووي والتحقيقات الجنائية والحريات الفردية"، كما يقول عنوانه الفرعي.
يذكر المؤلفان في البداية، حادثة مفادها أن الشرطة الألمانية بحثت طيلة 15 عاما عن قاتلة ظهرت مؤشرات "حمضها النووي" على 40 مكانا، كانت قد جرت فيها الجرائم. وفي المحصلة اكتشفت الأجهزة الألمانية المتخصصة أن الحمض النووي المعني لا يعود الى القاتل أو القاتلة، لكن القطن المستخدم من قبل رجال الشرطة تعرّض للإصابة في المصنع. وتلك الحادثة قادت للتشكيك في المصداقية الكاملة للحمض النووي كدليل قضائي.. لكنه يبقى أحد الأدوات الأساسية المساعدة للعدالة، بشرط "الدقّة المتناهية".
يؤكد الكتاب ضرورة الوصول إلى توازن بين "عدم المساس بالحريات الفردية في الممارسات الحالية، مثل عملية جمع الحمض النووي، من دون إذن قضائي واضح، والاحتفاظ بالحمض النووي للأبرياء في بنك وطني، للاستفادة منه . وفي المحصلة العامة، يدعو شيلدون كريمسكي، إلى سنّ تشريعات أكثر حزما، لحماية حقوق الأبرياء، عندما يتعلّق الأمر بجمع الاختبارات الخاصة بالحمض النووي.
ونقرأ أنه بتاريخ 19 أبريل من عام 1989، أرادت امرأة شابة أن تمارس رياضة الجري في "سانترال بارك" في نيويورك. وفي اللحظة نفسها، دخل مجموعة شبان مراهقين من الباب الآخر لتلك الحديقة. وهكذا التقى أولئك الشباب الذين يحدد أنهم كانوا من ذوي الأصول الإفريقية والأميركية اللاتينية، مع المرأة الشابة احتمالا، كما يسمح بذلك خط سيرهم. وتفرّق الشباب بعد قليل من الوقت، لكن بعد ذلك، اكتشف أحد المارّة المرأة الشابة، جسدا هامدا تقريبا ومضرّجا بالدماء. ويدل مظهرها، أنها تعرّضت للاغتصاب. وفي مكان ليس بعيدا عن الذي كان الشباب قد تشاجروا فيه، كلاميا مع بعض المتنزهين، وقامت الشرطة باعتقالهم.
كان من الطبيعي والمنطقي أن يجري التحقيق مع الشباب المراهقين، بمختلف الأساليب والتهديد والوعيد وبعض الكلمات.
وفي الوقت ذاته، بدت رواياتهم متناقضة ولا تتماشى مع الحالة التي وجدوا فيها الشابة: الضحية. ولم تكن تظهر على ثياب أحد منهم آثار دماء. . بدا باختصار، أن المعنيين كانوا يريدون بأي ثمن، الخلاص من الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه، وكانوا مستعدين أن يقولوا لرجال الشرطة ما يريدون الاستماع له.
وعندما حصلت الشرطة على الحمض النووي الذي خلّفه من اعتدى على المرأة، لم تجده يعود الى أي شاب من بين أولئك المراهقين. ومع ذلك، نجحت هيئة الادعاء العام في إقناع "لجنة المحلّفين"، في إدانة الشباب، بناء على الاعتراف الصريح، باعتباره سيّد الأدلة.
لكن ذلك لم يمنع العديد من مسؤولي الشرطة متابعة تأكيدهم أن "العدالة اخذت مجراها حيال الذين اعترفوا بالجريمة". والتأكيد على أن ما قاله "رايس" هو افتراء وأن الحمض النووي لا يشكّل برهانا أقوى من الاعتراف. ويشير المؤلف الى أن الأحكام التي صدرت بحق "شباب سانتر بارك"، أُلغيت في عام 2002. وعند ذلك، رفع الشباب دعوى أمام المحاكم، تفيد في أنهم "تعرّضوا لملاحقات ظالمة وللتمييز العنصري وللضغط النفسي".
ويخلص الكتاب إلى أنه إذا كان الحمض النووي قد أصبح "أداة أساسية" في التعرّف على من يمارسون العنف، بشتى أنواعه، وإدانتهم. فإنه سمح أيضا، في تبرئة العديد ممن صدرت بحقهم أحكام ظالمة.
المؤلفان في سطور
شيلدون كريمسكي، أستاذ جامعي متخصص في مسائل البيئة والصحّة العامة. قدّم العديد من الدراسات والكتب، في عدادها: "البحث العلمي في مواجهة المصالح الخاصة".
أما تانيا سيمونسيلي. فكانت خلال ست سنوات، مستشارة علمية لدى "الاتحاد الأميركي المدني للحريات"، الذي يمثل أحد الجمعيات الأميركية المهمة، للدفاع عن الحريات الفردية.
