بعد أن قدّم الصحافي الفرنسي فيليب نورّي، العديد من الكتب عن إسبانيا، بما في ذلك، كتاب عن "سيرة حياة الجنرال فرانكو"، وآخر عن "سيرة حياة الملك خوان كارلوس"، يكرّس عمله الأخير لـ"تاريخ إسبانيا منذ البدايات حتى اليوم". ولا شك أن هذا يمثل مشروعاً طموحاً. ولكن المؤلف يحدد منذ البداية القول، إنه يريد كتابة تاريخ اسبانيا "ليس من أجل التعريف بكل الدقائق والتفاصيل فيه، إنما لـ"محاولة شرح: لماذا وكيف حدثت المنعطفات الكبرى في تاريخ إسبانيا الطويل".
يمر المؤلف، بسرعة، على حقب عديدة، من تاريخ إسبانيا، مثل: الحقبة الإيبيرية، الحقبة الرومانية، مملكة غوت. ويسهب في الشرح والتحليل، اعتباراً من بداية القرون الوسطى. ويتوقف عند الحقبة التأسيسية لإسبانيا الحديثة، في ظل حكم الملك فرناند. ومن ثم يجري وقفة أخرى، عند حروب الصراع على التاج، ووصول حكم سلالة البوربون.
يشير المؤلف في السياق، إلى الملوك الشرعيين لإسبانيا، الذين طردوا في فترة من الفترات، على يد نابليون الأول. لكنهم استطاعوا العودة بفضل انتفاضة شعبية وبمساعدة الإنجليز. وكذا في القرن التاسع عشر، عرفت إسبانيا حروباً أهلية وانقلابات.
ويلفت المؤلف إلى فترة الاحتضار الطويلة، التي عاشها فرانكو، في المدة الأخيرة من حكمه، وكيف أنه هو الذي رعى خوان كارلوس في كنفه، ودفعه إلى رأس الدولة. لكن الملك الجديد دفع بلاده نحو نهج ديمقراطي، ووجد التأييد الكامل من قبل مختلف النخب الإسبانية. ذلك قبل أن تلوح في الأفق من جديد، ملامح أزمة اقتصادية ترافقت مع تهديدات حركات انفصالية في منطقتي الباسك وكاتالونيا.
ويعيد المؤلف إلى الذاكرة، آلاف الضحايا ممن فقدوا حياتهم أثناء الحرب الأهلية في عشرينيات القرن التاسع عشر، ويلفت إلى أن إسبانيا كادت أن تزول، بعد أن عرفت حالة متطرفة من الانحطاط، في عهد شارل الثاني خلال نهاية ذلك القرن، التاسع عشر. وما يؤكده المؤلف، أن إسبانيا تعاني جراء الجهل الكبير، بها وبتاريخها، من قبل الأوروبيين الآخرين. وهو يكرّس صفحات كثيرة، لشرح تلك الفترة، في كل ما كان فيها من جوانب مضيئة. ومن ظلال.
ويجزم المؤلف أن التاريخ الإسباني نسج على "إيقاع الحروب"، ولكن أيضاً عبر اكتشاف العالم الجديد، أميركا، عام 1492، على يد كريستوف كولومبوس، الذي رعى الملك الإسباني مشروعه. ويشرح أن "جغرافية اسبانيا وتاريخها، رسما عبر صراع ملوكها على السلطة، ومشاريعهم الاستعمارية وواقع الفتح العربي- الإسلامي لها. والإقامة فيها على مدى قرون.
كما أن التبدل السريع هو أحد سمات التاريخ الإسباني، كما يشرح المؤلف. ويبين أنه على الصعيد الثقافي تأثرت اسبانيا كثيراً بأفكار عصر التنوير، التي ازدهرت في فرنسا خلال القرن الثامن عشر، وذلك التأثير بدا بوضوح في أعمال كتّابها وفنانيها ومبدعيها.
ويخلص المؤلف إلى أن اسبانيا تحافظ باستمرار، عبر تاريخها الطويل، على وجهها الساحر، لكن "الذي يلفّه الغموض دائماً". وهذا يمثل أحد وجوه تفرّدها، كما يشير المؤلف. ذلك إلى جانب احتفاظها باستمرار أيضاً، بقدر كبير من الحيوية المدهشة.
المؤلف في سطور
فيليب نورّي. صحافي فرنسي،. متخصص في إسبانيا وتاريخها. سبق له أن قدّم كتباً عديدة، من بينها: سيرة حياة الجنرال فرانكو، سيرة حياة الملك خوان كارلوس.
الكتاب: تاريخ إسبانيا، منذ البدايات حتى اليوم
تأليف: فيليب نورّي
الناشر: تالاندييه- باريس- 2013
الصفحات: 800 صفحة
القطع: المتوسط
Histoire de lصEspagne
Philippe Nourry
Tallandier- Paris- 2013
800 .p
