قدّم الأستاذ الجامعي الأميركي، المتخصص في العلوم السياسية، كراوفورد يونغ، سلسلة من الكتب والدراسات حول القارّة الإفريقية، خاصة في فترة ما بعد نهاية الحقبة الاستعمارية للقارّة منذ سنوات الستينيات من القرن الماضي. وهو يكرّس كتابه الأخير، للبحث في الدولة ما بعد الاستعمارية في إفريقيا، كما جاء في عنوانه، أي الفترة التي تغطي "50 عاماً من الاستقلال"، حسب عنوانه الفرعي.
ويحدد المؤلف ما يسميه :"ثلاث دورات من الأمل وخيبة الآمال"، تعاقبت على بلدان إفريقيا، بما في ذلك، بلدان شمال إفريقيا خلال نصف القرن الأخير. والدورة الأولى تميزت بوجود حالة من الحبور والتفاؤل في بداية عهد الاستقلال خلال سنوات الستينيات من القرن الـ20. ثم فترة تتسم بـنزع الأوهام بحلول حكم أنظمة الحزب الواحد والدكتاتوريات العسكرية.
وهناك دورة ثانية، بدأت بنوع من استعادة الثقة وظهور دولة طموحة في سنوات السبعينيات، قبل أزمة الدولة وفشل سنوات الثمانينيات في القرن الـ20، الكبير. والدورة الثالثة منذ مطلع سنوات التسعينيات وانتعاش التفاؤل، بالتزامن مع موجة الديمقراطية في القارة الإفريقية. لكن ذلك لم يمنع اندلاع حروب أهلية عديدة.
ويرصد المؤلف هذه الدورات الثلاث التي اتسمت كل منها بمرحلة من الأمل ومرحلة ثانية من التشاؤم. ويدرس، بالتوازي معها، ما يعتبره المكونات الثلاثة الرئيسية للهوية في البلدان الإفريقية، والمتمثلة في النزعة الإفريقية الشاملة والانتماء المحلّي، الوطني. وأخيراً: الانتماء الاثني. ويبقى المعطى الأساسي الذي استمر دائماً في إفريقيا، حسب المؤلف، الآثار القوية للإرث الاستعماري الذي يلقي بظله على الأغلبية الساحقة، هذا إذا لم يكن على جميع الدول الإفريقية المستقلّة.
لعلّ السمة الأكثر بروزاً وتفرّداً في هذا العمل هو أن المؤلف يجمع، في الإطار نفسه من التحليل، دول المنطقة الإفريقية الواقعة جنوب وشمال الصحراء، حيث إنها عانت جميعها، من التوسع الاستعماري الأوروبي. ويركز في هذا الصدد، على العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، بين بلدان جنوب القارّة الإفريقية وشمالها. هذا مع التأكيد على وجود عدة مظاهر تشير إلى "التاريخ المشترك" بين جميع تلك الدول.
ولا يتردد المؤلف في القول إن القادة الأفارقة، في فترة ما بعد الاستعمار، فشلوا في استثمار السبيل التحرري الذي فُتح أمام بلدانهم بعد نهاية الاستعمار. ولكن سرعان ما خبت الآمال عندما عمد أولئك القادة إلى تبنّي نظام الحزب الواحد، وتسوية الأوضاع كلها بـ"قرارات اعتباطية فردية"، واللجوء إلى الاعتقالات السياسية. وكان قد جرى في جميع الأحوال، تبنّي نموذج "الدولة الاستعمارية نفسها"، والتي يعود تأسيسها إلى ظروف مغايرة كثيراً، في نهايات القرن التاسع عشر. ثم إن الدول الإفريقية المستقلة، في فترة ما بعد الاستعمار، كانت تفتقر عامة، إلى الأسس التاريخية، وكانت تمثل في كثير من الحالات نتاجاً للإرث الاستعماري نفسه.
وإذا كان مؤلف الكتاب يدرس الدولة ما بعد الاستعمارية في إفريقيا، كما يشير العنوان، فإن العمل يمثّل مقدمة لفهم الرهانات السياسية والتوجهات الأساسية والتحديات، التي ينبغي على إفريقيا المعاصرة ودولها، تجاوزها بنجاح، كي يكون لها موقعها ومكانتها في عالم اليوم. وخاصة في عالم الغد.
المؤلف في سطور
كراوفورد يونغ. أستاذ العلوم السياسية في جامعة وسكنسون- ماديسون الأميركية. من مؤلفاته: "صعود الدولة في الزائير وانحطاطها، الإيديولوجيا والتنمية في إفريقيا، سياسته التعددية الثقافية.
الكتاب: الدولة ما بعد الاستعمارية في إفريقيا
تأليف: كراوفورد
الناشر: جامعة ويسكنسون 2012
الصفحات: 468 صفحة
القطع: المتوسط
The postcolonial state in Africa
Crawford Young
University of Wisconsin Press ذ 2012
468 .p
