في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «الجمهورية الرقمية»، يبحث الأستاذ الجامعي الهندي، ذو الشهرة العالمية، ماتاي جوزيف، في مسألة صعود الهند ضمن حقل التكنولوجيا الرقمية، كي تصبح أحد أهم بلدان العالم في هذا الميدان.
وكانت الهند قد حققت قفزة هائلة في مجال المعلوماتية لا يضاهيها ما قام به أي بلد آخر. وهذا ما يعبّر عنه المؤلف في «التمهيد» للكتاب بكتابة ما مفاده: «في سنوات الستينات من القرن الماضي، ربما كان من المستحيل أن يعتقد أحد أنه بعد خمسين سنة سيكون هناك أكثر من 600 مليون هندي يمتلكون هواتف محمولة (...). وكان تعميم مثل هذه التكنولوجيا قد ولّد آثاراً أكبر من أي تطور تقني أو علمي آخر».
ويشرح المؤلف أن مثل ذلك النجاح لم يكن هو الأكثر ترقباً في الهند. ذلك أن الحكومة كانت تولي اهتماماتها بالأحرى، لتكنولوجيا الطاقة والصناعات الفضائية، بينما كانت تحرص على إحكام رقابتها على امتلاك الحواسيب، وكأن الحصول عليها يبدو مصدر خطر. لكن أبدع الهنود في مجال البرمجيات الإلكترونية.
وازدادت الصادرات منها كثيراً، خلال سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الـ20. مع ذلك لم تدخل تلك الصادرات في خانة فئات الصادرات الحكومية لفترة طويلة من الزمن، بل إن إنتاج البرمجيات لم يعترف به كأحد فروع الصناعة.
إن مضمون هذا الكتاب يشكل نوعاً من التأريخ للحظات المهمة، ويؤكد المؤلف أن سر النجاح الهندي يكمن في ضبط التداخل بين النظرية والتجربة والتكنولوجيا. وفي ما هو أبعد من جميع الأطروحات النظرية الواردة في الكتاب حول طبيعة العلم، فإن المؤلف يتحدث من موقع الشاهد على تطوّر الصناعة الرقمية في الهند، حيث إنه عايشها منذ فترة انطلاقها الأولى.
ويكرس المؤلف عدداً من فصول الكتاب لشرح الدور الذي لعبه معهد تاتا، باسم مؤسسه، في مجال البحوث العلمية والتكنولوجية التي كان لها الأولوية بين نشاطاته. إذ تركزت الجهود هناك على المسائل المتعلقة بإيجاد حلول للمشكلات الرقمية الكبرى. وهكذا بدأت الهند عملياً بمواجهة «حقائق المعلوماتية».
والإشارة في هذا السياق إلى إظهار النقابات العمالية عداءها الشديد لتكنولوجيا المعلومات، خاصة من زاوية تهديدها فرص العمل والاستغناء عن اليد العاملة. هذا إلى جانب عدم إعطاء السلطات الرسمية الهندية أهمية كبيرة لذلك الفرع الجديد من الصناعة.
ويوضح مؤلف الكتاب، أن المعلوماتية استطاعت أن تزدهر وتتجذر في «أرض لم تكن ترغب فيها كثيراً». واستطاع معهد تاتا الهندي، أن يكسب اعترافاً عالمياً من قبل المؤسسات النظيرة له في مختلف أنحاء العالم. لكن ذاك الاعتراف العالمي قابله الكثير من عدم المبالاة الكاملة من قبل السلطات المعنية، حيث أقيمت الحواجز لتأطير النشاط المعلوماتي في حدود ضيّقة، وخنق أية إمكانية لتحقيق خطوات متقدمة جديدة في هذا المضمار.
ويلفت المؤلف إلى أنه، واعتباراً من سنوات التسعينات في القرن الماضي، عرفت صناعة البرمجيات الرقمية في الهند، نجاحاً باهراً. إذ غدت تتلقى الطلب عليها من مختلف الشركات العالمية الكبرى، بما في ذلك، من الولايات المتحدة الأميركية وبقية بلدان العالم. وغدا التقنيون الهنود، من مهندسين وغيرهم، موضع اهتمام عالمي.
ويصل المؤلف إلى القول إنه اعتباراً من بداية هذا القرن الحادي والعشرين، جعل الازدهار، الذي حققته صناعة البرمجيات الرقمية في الهند، من البلاد، قوة كبيرة في تكنولوجيا المعلوماتية على الصعيد العالمي. وتشكل هذه الصناعة اليوم إحدى الركائز الحيوية بالنسبة للاقتصاد الهندي. هذا فضلاً عن أنها خلقت كمّا من فرص العمل ومن الثروات لم تستطع أن تحققه أية صناعة أخرى.
المؤلف في سطور
ماتاي جوزيف، أحد الباحثين الهنود البارزين، كان قد تولّى إدارة عدد من المعاهد ومؤسسات البحث. وهو من الباحثين الأوائل في مجال المعلوماتية ضمن معهد «تاتا» الهندي. عمل في مجال البحث والتدريس في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية. نال الدكتوراه من جامعة كامبردج. ومارس التدريس في جامعتي بومباي وكارديف في الهند. قدّم كتباً عدة، منها: مناهج هندسة البرمجيات.
الكتاب: الجمهورية الرقمية، صعود الهند، تاريخ وأحداث
تأليف: ماتاي جوزيف
الناشر: بوير بوبليشر- كلكوتا (الهند) 2013
الصفحات: 220 صفحة
القطع: المتوسط
Digital republic
Mathai Joseph
Power Publishers ذ Kolcata (India) ذ 2013
220 .p

