تحتل منطقة البلقان، في وسط أوروبا، أهمية خاصة بالنسبة للباحثين والمحللين الاستراتيجيين. ذلك أنها كانت في صميم الحربين العالميتين، الأولى والثانية، كما مثّلت منطقة الفصل والتداخل بين الإمبراطورية العثمانية والقارّة الأوروبية، خلال عقود طويلة من الزمن. ويقدم الباحثان الفرنسيان، المحاضران في مدرسة "سان سير" العسكرية، عملا قاموسيا:
"أطلس جيوسياسي للبلقان"، كما جاء في عنوانه، يبحثان فيه، تاريخ منطقة البلقان ورهاناتها السياسية ونمط مجتمعاتها وهوية بلدانها السياسية. إضافة إلى دورها في الرهانات العالمية المستقبلية الكبرى، هذا تحت خمسة عناوين رئيسية: من حدود الإمبراطوريات إلى الدول- الأمم، مجتمعات تعيد تكوين نفسها، أمم وهويات سياسية، البلقان في اللعبة الكبرى، منطقة البلقان بصيغة الجمع.
يحتوي الكتاب- الأطلس، على 100 خارطة جغرافية، توضّح مدى تعقيد منطقة البلقان، وما استجدّ فيها من معطيات جغرافية، منذ بداية عقد التسعينات في القرن الماضي.
إن مؤلفي الكتاب يدرسان، بصورة منهجية، آليات تكوّن الدول القائمة في البلقان، حاليا، ومسار تطوّرها. ويتناولان بالتفصيل، المسائل المتعلقة باندماجها في إطار الاتحاد الأوروبي. هذا من دون نسيان التعرّض لما يسميانه "النفوذ الثقافي" للبلقان. إذ يعتبرانه: قويا وظاهرا على صعيد العالم كله.
ولا شك في أن هذا الكتاب- الأطلس، يشكل أداة مهمة لفهم البلقان، من خلال معطيات وإحصاءات وخرائط دقيقة، بعيدا عن وجهات النظر الخاصة. وهذا كله بالنسبة للحاضر كما لمسار المنطقة التطوري عبر التاريخ. وبدقة أكبر، منذ الفتح العثماني وحتى الحقبة الحالية،
يبين المؤلفان أن منطقة البلقان أصبحت في المرحلة الراهنة، بمثابة بوابة للدخول إلى بلدان الاتحاد الأوروبي. وهذا الموقع استدعى منهما، كما يشيران، دراسة الحركة السكانية للبلقان، حيث يتضاءل عدد سكان غالبية الدول، كنتيجة مباشرة لتعاظم ظاهرة الهجرة منها إلى البلدان الأوروبية الغنية، بفعل دوافع اقتصادية في الدرجة الأولى.
كما أن البلقان ليست بعيدة عن الرهانات الدولية، طبقا لما يبدو من خلال حرص القوى الكبرى الأوروبية والولايات المتحدة وروسيا على إيجاد مواقع لها في "البلقان"، التي شهدت قبل فترة غير بعيدة: حرب الكوسوفو، بقيادة أميركا، تحت غطاء الحلف الأطلسي.
إن البلقان تخرج، كما تقدم، من عقدين عرفا اضطرابات اجتماعية وسياسية، بدأت مع سقوط جدار برلين. واكتملت عمليا، مع إعلان كوسوفو استقلالها من طرف واحد.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن المؤلفين يعنيان بتعبير وتحديد مفهوم منطقة "البلقان" ب : التعريف الأوسع والأشمل، بحيث تضم سلوفينيا ورومانيا. وكذلك: هنغاريا المجر- وتركيا. ذلك على أساس، أن هذه البلدان كلها، لها تاريخ عثماني مشترك، استمر قرونا عديدة". كما أنها تشترك بـ"بداية تاريخها الأوروبي. وتربطها علاقات اقتصادية وإنسانية وثيقة.
ويختم المؤلفان الكتاب- الأطلس، بنوع من إقرار حقيقة مفادها: "من دون الذهاب إلى التنبؤ أن الغرب الأوروبي سيعرف نوعا من البلقنة، كما كتب عالم الاجتماع ستيبان ميستروفيك في نهاية سنوات التسعينات، فإنه يمكن القول إن التحولات السياسية والديموغرافية والاقتصادية، تسمح بطرح تساؤلات حول سرعة وعنف إعادة التشكيل الجارية في المجتمعات الأوروبية. وبالتالي، لا تمثل بلدان البلقان إلا نموذجا من بين أخرى كثيرة".
المؤلفان في سطور
امايل كاتاروزا. أستاذ محاضر في مدرسة "سان سير" العسكرية الفرنسية. متخصص في الجغرافيا السياسية ورهاناتها. يولي اهتمامه خاصة، لمنطقة البلقان.
بيير سانتيس. محاضر في مدرسة سان سير العسكرية، وفي جامعة "ايكس"، قرب مدينة مرسيليا.
الكتاب: أطلس جيوسياسي للبلقان
تأليف: امايل كاتاروزا، بيير سانتيس
الناشر: اوترومون- باريس- 2012
الصفحات: 96 صفحة
القطع: الكبير
Atlas géopolitique des Balkans
Amaël Cattaruzza, Pierre Sintes
Autrement- Paris- 2012
96 .p
