بعد أن قدّم عالم الاجتماع والمؤرخ البريطاني الشهير، زغمونت بومان، العديد من الأعمال، عن الحداثة وتحدياتها. ولاقت شهرة عالمية، إذ جرت ترجمة أغلبها إلى العديد من اللغات الحيّة، شرع منذ عام 2010، وهو في الخامسة والثمانين من العمر، في كتابة تعليقات ومقالات عن الأحداث الكبرى، وجدت طريقها إلى النشر في كتاب يحمل عنوان: "هذه ليست يوميات".
المساهمات التي يحتويها العمل هي نوع من الدراسات المقتضبة والافتتاحيات، حول أحداث متنوعة ومواضيع متفرقة. وهكذا نراه يبدي قلقه الكبير حيال ما يمكن أن يجري في مصر، بعد رحيل حسني مبارك.
وفي مقالات كثيرة يحتويها الكتاب، يطرح بومان نفسه المدافع عن ضحايا الأزمة المالية، التي تفجّرت في خريف عام 2008. ولا يتردد في تحميل مسؤولية الوضع الذي وصل إليه، لتلك الشركات والمجموعات المالية التي لم يكن يهمها سوى تكديس المكاسب، من دون أي اهتمام بمن ستقع عليهم النتائج.
يولي زغمونت بومان في العديد من المساهمات- اليوميات-، اهتماماً خاصاً للأزمات الاجتماعية في البلدان الرأسمالية المتقدّمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. ويشير في إحداها إلى إحصائية تدل على أن عدداً من الشركات الأميركية، جمع مبلغ 1,2 مليار دولار من أجل استبدال اليد العاملة بالتكنولوجيات، وبالتالي، إلغاء فرص عمل هائلة العدد.
وينقل المؤلف، في إطار منافسة "أصبحت معلنة"، بين الأكثر فقراً والأكثر ثراء، ما قاله أحد ممثلي الفئة الأخيرة "الأثرياء"، المدعو وارن بوفيت: "هناك حرب طبقات، نعم. لكن طبقتي هي التي أعلنت الحرب وسنكون الفائزين فيها.
يرسم مؤلف هذا الكتاب، ملامح عالم "تمتلكه نزعة الاستهلاك".. عالم يعيش في عصر العولمة، حالة من الحاضر الدائم، المستمر. عالم يعيش اللحظة، بعيداً عن الماضي، ومن غير التفكير في المستقبل. وهذا بالتوازي مع تفكك مختلف أنواع المؤسسات الصلبة، في مقابل انتصار نزعة الاستهلاك، بلا أية حدود. ومثل هذه الحال أنتجت، كما يشير بومان، إنساناً من دون أية نقاط علاّم أو مرجعيات، وبلا روابط تجمعه بالآخرين".
ويؤكد المؤلف أن هذه الحقبة لـ"ما بعد الحداثة"، تتصف بهيمنة كل ما هو عابر. فكل شيء يمرّ وكل شيء يُنهك، وكل شيء قابل للكسر.. بما في ذلك ما يتعلق بمفاهيم كانت تشكّل ثوابت حتى حقبة قريبة ماضية، مثل :الالتزام، التعلّق بالمبادئ. ويشدد المؤلف على أن العولمة نفسها، أسهمت في فرض المعايير الغربية. والنتيجة هي أن التباهي بالاستهلاك أصبح يتجاوز كثيراً..
وظيفة سد الحاجات من أجل البقاء، ذلك بحثاً عن تأكيد المكانة الاجتماعية والتمايز عن الآخرين. ولا يتردد في الإعلان عن تحفظاته حيال أحادية المرجعيات الغربية، في السياق الحالي. ذلك أنه لا يمكن تطبيق النموذج ذاته، في جميع الحالات. وعلى صعيد ميدان حساس كالتربية، يرى أنه مضى وانقضى الزمن الذي سادت فيه فكرة إمكانية تبنّي نموذج واحد، كوني، في مجال التعليم. وبالتالي، لا يمكن تحديد دور واحد ووحيد للمدرس.
وفي المحصلة، يخلص المؤلف إلى أن العولمة، أسهمت في اقتطاع" قسم كبير من قوة الدولة الوطنية، لصالح المجال العالمي. فهذا الحقل، أصبح صاحب السلطة، بينما بقيت السياسة من اختصاص الدول المحلية. والنتيجة هي أن دولاً كثيرة، فقدت من سلطاتها التقليدية، واختزل دورها إلى مهمة الشرطة.
المؤلف في سطور
زغمونت بومان. عالم اجتماع ومؤرخ بريطاني شهير، من أصل بولندي. يعيش في بريطانيا، منذ عام 1971. عمل أستاذاً في جامعة ليد. أولى اهتمامه لدراسة العلاقة بين الحداثة وما بعدها، ولنزعة الاستهلاك. تصفه صحيفة "الغارديان" البريطانية: "أحد علماء الاجتماع الأكثر نفوذاً في العالم".
الكتاب: هذه ليست يوميات
تأليف: زغمونت بومان
الناشر: بوليتي - نيويورك 2012
الصفحات: 216 صفحة
القطع: المتوسط
This is not a diary
Zygmunt Bauman
Polity Press - New York ذ 2012
216 .p
