تعيش الإنسانية في الحقبة الراهنة، إحدى فتراتها الأكثر مادية. إذ يسود مبدأ الكسب والفائدة، في بيئة معايير أهمية أي عمل. لكن الأستاذ الجامعي والمؤرخ الإيطالي المتخصص في عصر النهضة الأوروبي، نوشيو اوردين، لديه رأي آخر. وهو يكرّس كتابه الأخير، للبحث في "فائدة ما هو غير مفيد"، كما جاء في عنوانه. ويعتمد فيه على نص بالعنوان نفسه، صدر قبل عقود، للأميركي ابراهام فليكسنر.

يحدد المؤلف المعنى القاموسي لـ"المفيد"، في أنه ما يكون استخدامه يصب في مصلحة أحدهم أو مصلحة كثيرين أو للجميع. وذلك، أن ما هو مفيد يمكن أن يكون ما يستجيب بوجه ما، أو يلبي رغبة. وبالتالي "ما هو غير مفيد" ربما لا يكون موجوداً بالأصل. ونقرأ: إن غير المفيد هو غير موجود. فإذا كنت قد قررت عمل شيء غير مفيد بالمعنى الشائع للتعبير- . فإن ذلك سيكون مفيداً، من حيث أنه يخدم على الأقل، ما يتماشى مع قراري".

ويذهب المؤلف في النهج ذاته من التفكير، وصولاً إلى القول إن مفهوم "ما هو مفيد" و"ما هو غير مفيد" يرتبط بشكل وثيق بالمعنى الذي يعطيه الإنسان لحياته. وبالتالي، من الخطير تصنيف الأشياء والسلوكيات بين فئتين: المفيد وغير المفيد وبالتالي إصدار أحكام قاطعة، تبعاً لهما.

يقدم نوشيو اوردين، سلسلة من البراهين على فائدة ما هو غير مفيد، وعدم فائدة ما هو مفيد. والبراهين التي يقدمها مأخوذة من تأملات فلاسفة كبار، من أمثال أفلاطون وارسطو ومونتين وجوردانو برونو وتيومن وهايدغر وغيرهم. وكذلك من إبداعات كتّاب كبار، من وزن اوفيد ودانتي وسرفانتس وديكنز وغارسيا ماركيز وأوجين يونسكو، وكُثر آخرين.

ومن خلال كمٍ كبير من الأمثلة، يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها، أن الشبق للتملك وتقديس مفهوم الفائدة، يؤديان إلى جفاف حقيقي في الروح، ويعرّضان للخطر، المدارس والجامعات والفنون والإبداع، وفوق هذا كله، يسيئان إلى بعض القيم الأساسية المتعلّقة بالكرامة الإنسانية وبالحب والحقيقة.

 ذلك أن المدارس والجامعات والإبداع، في الفن والأدب والموسيقى، وغير هذا من المشارب الفنية، لا تولي اهتمامها للفائدة بالمعنى المادي. ثم إن العلوم نفسها، خاصة المجرّدة منها، مثل الرياضيات، لا تصب في خانة الفائدة المادية المباشرة.

وفي رأس قائمة ما يمكن إدراجه تحت عنوان "فائدة ما هو غير مفيد"، يحدد نوشيو اوردين "العلوم الإنسانية". فهذا الحقل من العلوم، جرى في السنوات الأخيرة، تهميشه إلى درجة كبيرة على الصعيد العالمي. وليست قليلة هي الحالات التي استبعدت فيها العلوم الإنسانية من البرامج التعليمية، كما يشير المؤلف. وذلك إضافة إلى أن الكثير من الدول "وضعت العلوم الإنسانية على الرف"، واستبعدتها الهيئات الخاصة القادرة على تمويلها، من قائمة اهتماماتها.

ويبين المؤلف أن الحجة في ذلك كله، أن هذه العلوم الإنسانية لا يمكنها أن تقدم مبرراً حقيقياً لصرف الأموال عليها، باعتبارها "ميادين غير مفيدة". وهذا بالتحديد والدقّة كون أنها "لا تعطي مكاسب مباشرة".

ومن الأفكار التي يؤكد عليها مؤلف الكتاب، إلحاحه على أن العلم احتل ويحتلّ دائماً، موقعاً مهماً في المعركة "ضد قوانين السوق"، التي ترفع شعار الربح بكل السبل وتدغدغ لدى كل من يخضعون لها، شهية الكسب.

ولكن مثل هذا التركيز على السوق والمادة والربح، يعني تناسي حقيقة ثابتة، مفادها أن العديد من الأعمال العلمية بدت في فترة الخوض فيها، بمثابة نشاط غير مفيد، ومن دون أي هدف عملي مباشر. لكن تكشّف مع مرور الزمن، أنها لم تكن عنصراً أساسياً في سيرة التقدّم الإنساني فحسب، ولكنها في "غاية الفائدة" من حيث الثمرات التكنولوجية التي مثّلت تطبيقاتها العملية.

ولا يخفى على أحد، كما يشير المؤلف، أن الاختراعات الكبرى التي حققتها الإنسانية خلال مسيرتها الطويلة هي، في ما هو أساسي منها، نتاج ما فكّرت به عقول أناس، كانوا بعيدين كل البعد عن أية إرادة تسعى للكسب. ولا يتردد المؤلف في تأكيد أن علماء كباراً من أمثال نيوتن وانشتاين وغاليلي غاليليو لم يكونوا مأخوذين أبداً بما هو مربح وما هو مفيد.

 المؤلف في سطور

 يعمل نوشيو اوردين، أستاذاً للأدب الإيطالي في جامعة كالابريا في إيطاليا. وهو أحد المتخصصين في تاريخ وأدب عصر النهضة الأوروبي. من مؤلفاته: عتبة الظل: الأدب والفلسفة والرسم لدى جوردانو برونو، الأدب والفلسفة والدبلوماسية في عصر النهضة.

 الكتاب: فائدة ما هو غير مفيد

تأليف: نوشيو اوردين

الناشر: بيل ليتر- باريس- 2013

الصفحات: 158 صفحة

القطع: الصغير

 

Lutilité de lصinutile

Nuccio Ordine

Belles Lettres- Paris- 2013

158 .p