هناك عدد من المعادن التي تمتلك صفات تجعلها ضرورية بالنسبة للعديد من التطبيقات المدنية والعسكرية، ويطلق المتخصصون عليها: "الأراضي النادرة". ونجدها خاصّة في ما يسمّى: "التكنولوجيات الخضراء"، وهي مثل: عنفات ـ توربينات ـ المحركات الهوائية، خلايا المصابيح الكهربائية، الإضاءة ذات الاستهلاك المنخفض .
إن هذه المعادن والأراضي النادرة التي تحتوي عليها، تكتسي بعدا جيوسياسيا كبيرا، منذ أن قررت الصين، التي تمتلك 97 بالمائة من إنتاجها العالمي، تقليص صادراتها. وهكذا تحوّلت بسبب ذلك، أنظار الولايات المتحدة الأوروبية وأوروبا، وعدد من البلدان الآسيوية الأخرى، نحو إحدى أكثر مناطق العالم امتلاكا للمعادن الثمينة المعنية، على رأسها منطقة "غرونلاند".
يكرس الدكتور في العلوم السياسية، المتخصص في منطقة القطب الشمالي، داميان ديجورج، كتابا للبحث في رهان شائك، يسميه رهان "الأراضي النادرة". ويقصد بذلك، غرونلاند وغيرها من أماكن في منطقة الاركتيك. ويعده أحد الرهانات الأساسية بالنسبة للعالم، في هذا القرن الحادي والعشرين.
والأركتيك هي المنطقة التي تحيط بالقطب الشمالي من الأرض. وتضم البلدان الثمانية التي لها شواطئ على المحيط الأركتيكي، أي كندا والولايات المتحدة (الاسكا) والدنمارك (غرونلاند) وروسيا والنرويج والسويد وفنلندا وأيسلندا. والبلدان الثمانية هي أعضاء في "مجلس الأركتيك".
ويحدد المؤلف منذ البداية، أن منطقة الأركتيك التي توجد فيها غرونلاند، غدت، بسبب مخزونها الاقتصادي الهائل، موضوعا يناقش على أعلى المستويات، بين عدد من البلدان. لكن الأمر المهم، يحدده المؤلف بضرورة تجنّب التصعيد الذي ربما يفتح الباب نحو نزاعات مسلّحة.
الصين هي المنتج الأوّل للمعادن النادرة المعنيّة بتحليلات هذا الكتاب. وتحديدها الصارم للكميات القليلة التي تقوم بتصديرها للخارج، يعود إلى إرادتها الواضحة في إعطاء الامتيازات في مجال الصناعات التي تتطلبها، للصينيين. ومن هنا بالتحديد، تكتسي ثروات غرونلاند منها، قيمة استثنائية، هذا خاصّة أنها ستوفّر نسبة 25 بالمائة من الاحتياجات العالمية لـ"المعادن النادرة"، خلال الخمسين سنة القادمة، كما يحدد المؤلف القول. ويجد داميان ديجورج أن مثل هذه الأهمية ليست غائبة عن إدراك القادة الصينيين.
وفي المقابل، كما يشرح المؤلف، لم يتأخر ردّ فعل القوى الكبرى الأخرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، رافضة رؤية القوّة الصينية الصاعدة، الرامية إلى أن تحكم سيطرتها على الأراضي النادرة، ولتوفيرها للصناعات التي تحتاجها. ويلمح المؤلف إلى أن خطوات صينية جديّة جرت، لمحاولة السيطرة على الثروة المعدنية لغرونلاند، عبر شركات التعدين وشراء الامتيازات التجارية.
مبينا أن المحللين يميلون للاعتقاد أنه لن تكون هناك حرب في تلك المنطقة. والسبب الأوّل، كون نسبة 3 بالمائة فقط من بترول منطقة الأركتيك توجد خارج حدود الدول.
وهذه النسبة الضئيلة لا تشكل في واقع الأمر رهاناً يستحق الدخول على خلفيته الدخول في حرب يحتمل أن تكون مدمّرة للأطراف التي ربما تشارك فيها. لكن ما يؤكد عليه، بالمقابل، أن "الأراضي النادرة" ستكون أحد أهم رهانات القرن الحادي والعشرين، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.
ويوضح ديجورج، أن روسيا تمثّل القوة العسكرية العظمى الرئيسية في المنطقة. وهي شديدة الاهتمام بمنطقة الأركتيك، ولديها قدرة بحرية كبيرة بما لديها من كاسحات الجليد. وهكذا فإن المنطقة غدت واقعيا بمثابة حدود جديدة، وموقع جديد للقاء القوى العالمية.
واللقاء يقتضي الشروع بلعبة دبلوماسية تتعاظم أكثر فأكثر بين هذه القوى. هذا خاصّة منذ أن دخلت الصين على المسرح الأركتيكي، رغم أنها لا تمتلك صلات جغرافية مباشرة مع المنطقة الأركتيكية.
والإشارة هنا أن بعض الدول الأركتيكية الصغيرة، مثل الدنمارك تستفيد من وزنها في المنطقة، ومن علاقتها القانونية من حيث ارتباط غرونلاند بها، للتمكن من التفاوض مع الصين. والإشارة أنه في أغلب الأحيان تسوى المسائل العالقة حالة بحالة من قبل الدول المعنيّة.
ويشرح المؤلف أن غرونلاند لها "مكانة قانونية" خاصّة. فهي لا تزال، مرتبطة بالدنمارك التي تؤمّن لها سنويا مساعدات لتأمين احتياجات السكان الأساسية. وحصلت، بشكل غير تام، من كوبنهاغن، عام 2010، على استقلالها الذاتي الكامل، في ما يتعلّق بإدارة المسائل المتعلقّة بالتصرّف بمواردها وثرواتها الطبيعية والمنجمية.
ويرى المؤلف أن حصولها على الاستقلال السياسي ربما يكون ميسورا أكثر بكثير من حصولها على الاستقلال الاقتصادي، في مواجهة شهيّة المجموعات الصناعية الكبرى والقوى الأجنبية. ويتساءل إذا كانت غرونلاند قادرة على أن تكون عنصرا فاعلا في العلاقات الدولية، أم أنها ستكون مجرّد موضوع لتجاذب "القوى الكبرى الفاعلة"؟
المؤلف في سطور
يحمل دايان ديجورج، شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة رينيه ديكارت في باريس. يعمل في إطار معهد البحوث الاستراتيجية التابع للمدرسة الفرنسية. وهو متخصص في منطقة الأركتيك في القطب الشمالي ورهاناتها الجيوستراتيجية. مارس مهنة التدريس الجامعي في جامعة ليل في شمال فرنسا، والعلوم السياسية في جامعة غرونلاند.
الكتاب: الأراضي النادرة
تأليف: داميان ديجورج
الناشر: لارماتان - باريس- 2012
الصفحات: 78 صفحة
القطع: المتوسط
Terres rares
Damien Degeorges
LصHarmattan - Paris- 2012
78.p

