أمضت الصحافية الفرنسية السابقة، كريستي رافين، أربع سنوات من حياتها، أخيراً، في أحد بيوت رعاية العجزة. وعن تجربتها تلك، تقدم كتاباً لقي الكثير من الاهتمام والنقاشات. ذلك أنها تتهم فيه بقوة، من تسميهم "المافيا" الذين يمارسون أسوأ أنواع الاستغلال، حيال نزلاء مآوي العجزة، ذلك من دون تعرضهم لأي عقاب.
تشير المؤلفة في مقدمة كتابها، إلى أنه راودتها كثيراً، إثر التجربة المريرة التي عاشتها في مأوى للعجزة، فكرة أن لا تقول ولا تكتب كلمة، كي يساعدها ذلك على أن "تنسى كل شيء، مرة واحدة وإلى الأبد". ولكنها أدركت أن الصمت ليس مهنتها. فالصحافية السابقة التي لم تسكت ولم تخفِ غضبها حيال أي استغلال.
وهكذا فإنها وجدت نفسها مدعوّة الى الدفاع عن "آخر قضية في حياتها": "حق أن يموت المرء بكرامته". وهذا على عكس ما يجري في بيوت إيواء العجزة، في بلد مثل فرنسا، كما تكتب. تحكي المؤلفة عن الأطباء الذين لا يترددون في حقن الأدوية المسكّنة، بلا أي حساب لما هو مسموح أو ممنوع من قبل أولياء الأمور، وعن عجائز مبللين بما أفرزته أجسادهم، من دون أن يهتم بهم أحد. وكذا عن سلسلة طويلة من أشكال الإذلال اليومي.
إن المؤلفة الصحافية السابقة، تروي على مدى 300 صفحة ما رأته وعرفته وعاشته في مأوى للطاعنين في السن، أو ما تصفه أنه بمثابة سجن ذهبي. وتكتب: "ذلك المكان سرق مني تراثي وصحتي الجسدية والنفسية. وفي هذا المكان يقومون بسرقة العجائز ويسيؤون معاملتهم. وعندما شاهدت بنفسي ما يجري هناك، أحسست وكأنني في البرنامج التلفزيوني (المتسللون). ولم يكن بوسعي أن لا أفعل شيئاً".
تروي كريستي رافين قصّتها مع مأوى العجزة الذي خسرت فيه أربع سنوات من حياتها. ومن ما تقوله، إنها أرادت أن تقترب من مكان إقامة أحفادها في مدينة برست الفرنسية، على شاطئ الأطلسي. ففي تلك المنطقة كانت قد اشترت شقّتين، واحدة لسكنها وثانية لتأجيرها وتأمين مبلغ مالي إضافي.
وفي برست تعرّفت على مأوى العجزة الذي تكتب عنه. ونقرأ: "بهرني ذلك المأوى، فهو أحد أجمل أبنية المدينة. ويمكن للإنسان أن يحظى فيه بقدر كبير من الاستقلال الذاتي والاستفادة، بالوقت عينه، من الخدمات في حال استدعت الحاجة ذلك. كان هناك متقاعدون يرقصون في الصالة الكبيرة. والغرفة التي كان علي أن أعيش فيها، تطلّ على الحديقة. هكذا قلت لنفسي إنه كان ذلك هو المكان الذي يمكن أن أحلم فيه لإمضاء الأيام الأخيرة من حياتي.. كم كنت ساذجة".
وتذكر المؤلفة أنه لم تكن الممرضات تقمن بالزيارة سوى مرتين في اليوم، عند الصباح وبعد الظهر، مقابل دفع مبالغ مالية إضافية. وكل العاملين: التنظيف وعامل الحديقة وحتى المتدرّبين، لم يكونوا يقومون بواجبهم الطبيعي الذي يتقاضون رواتب عنه.
وما تؤكده المؤلفة هو أن مأوى العجزة ذاك، الذي أمضت فيه أربع سنوات كاملة، لم يكن مزوّداً بالوسائل الطبية وبالفريق الطبي المؤهل، ومع ذلك كان في عداد نزلائه، عدد من المصابين بمرض شيخوخة الذاكرة والنسيان المعروف بـ"الزهايمر". وهؤلاء المرضى كانوا يتيهون في بهو المؤسسة وممراتها وهم في حالة يرثى لها، يبحثون عن شيء واحد، وهو الغرفة التي يقيمون فيها.
والاكتشاف الكبير والمخيف بالنسبة لكريستي رافين، مؤلفة الكتاب، أن المأوى الذي اختارت أن تمضي فيه سنوات حياتها الأخيرة، بهدوء وفرح، لم يكن أبداً كما حلمت في أن يكون، بل بدا مجرد مكان كئيب لتحضير الموت.
المؤلفة في سطور
كريستي رافين، صحافية فرنسية سابقة، كانت إحدى الوجوه النسائية الفرنسية المعروفة في مواقفها المناهضة لمختلف أشكال التمييز والحد من الحريات. تبلغ، حالياً، 81 من العمر.
الكتاب: مأوى العجزة
تأليف: كريستي رافين
الناشر: فايار- باريس- 2013
الصفحات: 350 صفحة
القطع: المتوسط
Gagatorium
Christie Ravenne
Fayard - Paris- 2013
350 .p
