من الحكايات التي تتردد، أنه في فترة الحرب الباردة كان الألمان الشرقيون يبررون وجود جدار برلين، كونه يحميهم من عصابات الألمان الغربيين، الذين يريدون زرع الفوضى في ألمانيا الشرقية وزعزعة استقرارها.

وتكرس المؤرخة آن ابلباوم، كتابها الأخير، للبحث في أوضاع أوروبا الشرقية خلال تلك الفترة «1944 ــ 1956»، تحت عنوان: «الستار الحديدي». وتشير، بداية، الى أنه لم يكن هناك أي برهان على أنه كان على ستالين خلق كتلة شيوعية بسرعة كبيرة. ولكن بالمقابل، عمم قام الاتحاد السوفييتي بعض السمات الأساسية للنظام لديه، في جميع البلدان التي احتلّها الجيش الأحمر، وذلك منذ البداية. وهكذا وُجدت قوات من الشرطة السرية الشيوعية المحلية في مختلف البلدان المعنية.

وتشرح آن، أن نموذج إقامة أنظمة شيوعية كان قد بدأ منذ عام 1940 في بلدان البلطيق. ذلك عبر تقديم موسكو مساعدات حقيقية للشيوعيين المحليين، من أجل فتح الطريق أمامهم للوصول إلى السلطة، موضحة أنه ساد الاعتقاد لدى كُثر في تلك البلدان، أن موسكو ستوفّر لهم دعما كبيرا، يسمح بالفوز في الانتخابات حيث ما كان قد تبنّي ذلك.

وفي الحالة البولندية، تؤكد المؤلفة أنه منذ دخول القوات السوفييتية «الجيش الأحمر»، إلى الأراضي البولندية، في صيف عام 1944، كان واضحا أن جوزيف ستالين ما كان له أن يسمح بقيام حكومة بولندية مستقلة، ربما تطالب بانسحاب السوفييت من الأراضي الشرقية التي وقعت تحت السيطرة السوفييتية، تنفيذا لبنود الميثاق الموقع بين السوفييتي مولوتوف والبولندي ريبنتروب، في عام 1939.

تخصص المؤلفة القسم الأكبر من الكتاب، لتوصيف طبيعة النظام الذي أراد الشيوعيون إقامته، في كل من ألمانيا الشرقية وبولندة وهنغاريا. وتؤكد أن القمع البوليسي لم يكن السمة الوحيدة لتلك الأنظمة الشيوعية، ولكنها قدمت سلسلة طويلة من التنازلات وعقدت الاتفاقات. إذ وصلت الجماهير العريضة، بموجبها، إلى قبول السيطرة الشيوعية.

ومن السمات التي تشدد عليها المؤلفة، في توصيفها حصيلة ما مارسته الأنظمة الشيوعية في بلدان أوروبا الشرقية، قولها ان تلك الأنظمة بنت مدنا صناعية جديدة كان قد جرى تصميمها وتشغيلها، على اعتبار أنها ربما تكون بمثابة نماذج ـ موديلات ـ المجتمع الاشتراكي القادم.

وفي المقابل، تقدّم المؤلفة توصيفا دقيقا للحقائق القاسية التي عرفتها الحياة في تلك المدن، ذلك بالمقارنة مع المدن في العالم الرأسمالي التي عرفت تصنيعا مبكّرا. وبالنسبة للحالة الهنغارية، تشرح المؤلفة في الفصل المكرّس لها، أن الفترة المدروسة 1944 ـ 1956، انتهت، على خلاف ما عرفته ألمانيا الشرقية وبولندا، بعملية تمرّد عنيف مناهض للشيوعية.

إن الكتاب يعد بحثا عن «ماضي أوروبا الشرقية»، لكنه مكرّس لـ«الحفاظ على الذاكرة»، من زاوية أن الشروط الأولية لبناء القوة السوفييتية، كانت أكثر شراسة من ما يتصوّر عامة، ذلك أنه في إطار تحرير بلدان أوروبا الشرقية من نير النازية، خلال عامي 1944 و1945، أي في نهايات الحرب العالمية الثانية، نفذ الجنود السوفييت عمليات سلب ونهب واغتصاب وقتل، بحق الكثير من الألمان والبولنديين والهنغاريين والرومان والصربيين.

ومن الأفكار الأساسية التي تؤكد عليها المؤلفة، قولها بأشكال مختلفة، ان سكان بلدان أوروبا الشرقية، وبعد ست سنوات تقريبا من المعارك، هي مدة اشتعال الحرب العالمية الثانية، تأمّلوا بحياة طبيعية، مهما كان النظام السياسي الذي يحكمهم. وهكذا «تصالح» الملايين مع الشيوعية وساهموا في تظاهرات تأييدها وانتسبوا لمنظماتها، لكنهم احتفظوا بآرائهم الحقيقية في أعماقهم.

 

المؤلف في سطور

 

آن ابلبوم، صحافية وكاتبة أميركية. من مواليد واشنطن. وهي من فريق محرري صحيفة «الواشنطن بوست».

أولت اهتمامها لدراسة الشيوعية وتطوّر المجتمع المدني في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي (السابق). سبق لها وقدّمت كتابا تحت عنوان: «تاريخ القولاق».

 

 

الكتاب: الستار الحديدي

تأليف: آن ابلباوم

الناشر: بنغوان بوك، لندن، 2012

الصفحات: 608 صفحات

القطع: المتوسط

 

 

Iron curtain

Anne Applebaum

Penguin Books - London ذ 2012

608 .p