عالم اجتماع فرنسي شهير وأستاذ جامعي هو ميشيل ماسو، يصدر كتاباً، يوحي عنوانه بأنه في غاية الخفّة: "عالم سلالات في صالون الحلاقة". لكن التعمّق قليلاً في مضمون العمل، يسمح برؤية وجه آخر أكثر جديّة. ذلك أنه يبحث في مسائل العلاقة بين الهوية و"صورة الذات".

يناقش المؤلف الأسباب التي تدفع الإنسان للذهاب إلى صالون الحلاقة. ويشير بداية، إلى ن هذه العادة ليست اختراعاً حديثاً فرضته الموضة الحديثة. ولكنها من أقدم الطقوس. ويؤكّد انها أحد أقدم المهن في العالم، ذلك طبقاً لما تثبته النصوص في روما واليونان قديماً.

حيث اشتهر أصحاب تلك المهنة ـ الحلاّقون ـ أنهم ثرثارون من الطراز الأوّل . والجميع يعرف الدعابة: " كيف تريد أن أقصّ لك شعرك؟ ..يسأل الحلاّق. ويجيب الزبون: وأنت صامت". ويبين المؤلف أن تاريخ ظهور هذه الدعابة، يعود إلى القرن الخامس قبل العصر الميلادي.

ويرى ميشيل ماسّو، في "صالون الحلاقة"، مكاناً لممارسة "الحس الاجتماعي" بامتياز، ولكن بقدر كبير من التفرّد. ويتعرّف القارئ على الكثير من الصفات التي يتشارك فيها الحلاّقون، ومجموعة من الحكايات والقضايا المتعلّقة بالشعر، لم تكن تخطر على البال. . وهكذا مثلاً، نعرف أن فاقدي الشعر :"

الصلعان"، معرّضون لصدم رؤوسهم بما يحيط بهم من أشياء، أكثر من أصحاب الشعر. كذلك، أنه منذ العصور القديمة، كانت تعلق خصلة من الشعر فوق سرير الطفل، بعد الولادة، دلالة على أنه من الممنوع شدّ شعر الآخرين.

ويوضح المؤلف أنه تدل دراسات نفسية أجرتها مؤسسات متخصصة، أن هناك علاقة وثيقة بين طريقة تصيف الشعر وقصّه وصباغته وزرعه، وكل ما يتعلّق بهذه الممارسات، وبين شخصية المعنيين. ذلك أن الأمر يتعلّق بالطريقة التي يراد تقديم النفس بها للآخرين.

ويؤكّد المؤلف ـ عالم الاجتماع، على الأهمية الكبيرة التي تكتسبها مهنة تزيين الشعر، بكل المهام التي تتضمنها. وذكر في السياق، أن العديد من القرى الفرنسية الصغيرة، فقدت الكثير من المهن، مثل: اللحام والنجّار وبائع الصحف - وأحياناً الخبّاز، ذلك عبر الاعتماد في هذه الأمور كلّها، على الشراء من المخازن الكبرى التي أصبحت موجودة في جميع الأمكنة القريبة من التجمعات السكانية. ولكن هذا باستثناء شيء أو مهنة واحدة.. فجميع هذه القرى لا يزال يحتفظ بـ "صالون حلاقة"، وأحياناً باثنين أو ثلاثة.

ويعرفنا المؤلف، على أن مثل هذه الظاهرة ليست جديدة، فلها استمرارها التاريخي. كما انها ليست ظاهرة فرنسية خاصّة، لكن مشتركة مع جميع البلدان تقريبا. وفي المدن والأرياف كان هناك، ويوجد اليوم، وسيكون هناك غداً، من يتولّى مهمّة التعامل مع الشعر. والإشارة الى أن ظاهرة "الحلاّق" المتجوّل شهدتها المجتمعات الأقل تقدماً منذ القديم أيضاً.

ويوضح المؤلف أن لمهنة الحلاّق، نوعاً من الطقوس" التي حوفظ عليها بجوهرها، ولو أن التكنولوجيا غيّرت الكثير من أدوات ممارستها. وهكذا لا يزال الزبون يجلس على الكرسي طائعاً لما يصدر إليه من أوامر، بينما يبقى الحلاّق واقفاً ويدور حوله، وهو "يطقطق" بمقصّه بحركات فيها الكثير من التقنية المحاطة بجو من الأسرار.

ويلفت المؤلف إلى أن من يرتاد صالون الحلاقة، يكون على استعداد مسبق لترك رأسه "رمزياً"، بين يدي "غريب". وهذه "السلطة" التي يأخذها هذا الغريب، سلطة حقيقية. ذلك أن من يخرج من صالون الحلاقة، لا يعتريه مجرّد الإحساس أنه غيّر من "مظهره البدني". ولكن أيضاً وخاصّة، من مزاجه النفسي. وأحياناً من ثقته بنفسه.

ويصل المؤلف في تحليلاته عن دور صالون الحلاقة ومعاني الصورة، التي يريد البشر الظهور بها، عبر مرورهم عند الحلاّق، إلى التأكيد على الاهتمام الحقيقي الذي تبديه السلطات الاجتماعية والمرجعيات الأخلاقية بهذه المسألة التي خضعت باستمرار لـ "قواعد صارمة ".

 المؤلف في سطور

 ميشيل ماسو. عالم متخصص في السلالات والاجتماع. عمل مديراً للأبحاث في إطار المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. وهو، حالياً، أستاذ في جامعة نانت الفرنسية.a

 

الكتاب: عالم سلالات في "صالون الحلاقة"

تأليف: ميشيل ماسو

الناشر: فايار - باريس- 2013

الصفحات: 238 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Un ethnologue chew le coiffeur

Michel Massu

Fayard - Paris- 2013

p.