عرفت الإنسانية، في مسارها الطويل، منعطفات جوهرية عديدة، غيّرت من حياة البشر ونقلتهم إلى حقب أخرى من المعرفة. ويرى علماء اللغات أن اختراع الكتابة، ثم اختراع المطبعة، كانا بمثابة المدخل إلى ثورات جديدة. ويضيف الباحث الإيطالي المتخصص في علم اللغات، والأستاذ في جامعة روما، رفاييل سيمون، منعطفاً جوهرياً آخر في حياة البشر، هو: الثورة الرقمية التي تمثل الثورة الثالثة، بعد تلك التي أعقبت اختراع الكتابة ثم المطبعة.

وفي كتابه الأخير، "مأخوذ بالانترنت" يحاول رافاييل سيمون، شرح آثار ثورة المعلوماتية على آليات اكتساب المعرفة، وعلى الروابط الاجتماعية. ولا يتردد في القول: إن هذه الثورة الجديدة لها آثار لا سابق لها، خاصة من خلال "خلق دائرة تواصل وإعلام"، أرغمت الجميع على الولوج والتعامل معها. إذ إن "الانترنت" أصبحت بمثابة "الماء والهواء".

ويحدد المؤلف أحد الآثار الكبرى للثورة الرقمية، في كونها أعطت الأولوية للصورة وللشاشة. وأدرجت بذلك، آلية توليفية، تجميعية وسلبية للفكر، على عكس المكتسب الكبير الذي كانت الإنسانية قد حققته عبر الكتابة، من خلال تنشيط العقل التحليلي والتأملي. أما الثقافة الرقمية، فإنها تميل إلى أن تستبدل الواقع بنوع من الاستعراض المستمر والعالم الافتراضي.

 ويقدم المؤلف في مثل هذا النهج، تحليله لما يسميه: "الثورة التي لا نكوص عنها، إلى الأنماط المستجدّة في التجربة الإنسانية". وهذه الأنماط تتأرجح، حسب رأيه، بين ما هو حقيقي، وما هو مزيّف، وما هو مموّه. ويختلط فيها النمطان السلبيان، كما جاء في أحد عناوين محاور الكتاب.

ويسأل المؤلف: هل يجعل الانترنت والأدوات الرقمية، البشر أكثر سعادة وفعالية، أو بالأحرى، أقل ذكاء؟ وما يؤكده المؤلف، أن الرجال والنساء اليوم، مأخوذون بالانترنت، وغيره من ثمرات الثورة الرقمية. ويتعرضون إلى نوع الامتصاص من قبل وسائل الإعلام، التي تلعب الالكترونية من ضمنها، فيها دوراً أساسياً".

ويرى أن الإعلام الرقمي يولّد، انطلاقاً من لا شيء، ميولاً واتجاهات وحاجات ومستلزمات جديدة. وتتمثل إحدى المستجدات، في إبراز سعي البشر إلى التواصل في ما بينهم.

وإذا كانت ثورة المعلوماتية والاتصالات قد سهّلت التواصل بين البشر، كما يقول المؤلف، فإنها حوّلت أيضاً، بدرجة كبيرة، من علاقتهم مع المعرفة. ولكنها قلّصت كذلك، من حسّ البحث والتفكير لديهم، على خلاف ما فعلته الكتابة، وبعدها المطبعة، اللتان اعتمدتا أساساً، على النص.

بينما أن الثورة الرقمية الجديدة تعتمد بالأحرى على الصورة والصوت، أي بمعنى ما على ما هو عابر ووقتي، على خلاف النص. ثم إن ما هو مكتوب يسمح بتقديم معرفة أكثر ترابطاً فيما بين مكوناتها وأكثر تعقيداً، من ما هو شفهي، كما يلاحظ المؤلف. وبهذا المعنى تقدم شبكة الانترنت كمّاً كبيراً من المعلومات، وكميّة أقل من المعارف.

ويتحدث المؤلف في هذا الكتاب عن ما يسميه: "قوة الجذب الشيطانية"، التي تملكها الانترنت ووسائل الإعلام التي أنتجتها ثورة المعلوماتية. ولا يتردد في القول: إن "الأدوات الرقمية" تمارس نوعاً من السحر، وصولاً إلى ما يقارب فقدان الإرادة.

ومن السمات الهامة في شبكة الانترنت، أنها تشجع على "ديمقراطية المعرفة". وفي المحصلة يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها، أن الانترنت لا تجعلنا أقل ذكاء، ولكن تدفعنا إلى استخدام ذكائنا بطريقة سيئة.

 

المؤلف في سطور

رافاييل سيمون، باحث إيطالي متخصص في اللغات. يعمل أستاذاً في جامعة روما، سبق له أن قدّم العديد من الأعمال التي عرفت الترجمة إلى معظم اللغات الحيّة. وفي عدادها: "الوحش اللطيف".

 

 

تأليف: رافاييل سيمون

الناشر: غاليمار - باريس- 2012

الصفحات: 272 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Pris dans la toile

Raffaele Simone

Gallimard - Paris- 2012

272 .p