يختتم الكاتب وعضو الأكاديمية الفرنسية، اريك اورسونا، في عمله الأخير، الصادر قبل فترة قصيرة، سلسلة من الكتب التي كان قد بدأها منذ 12 سنة، حول اللغة الفرنسية، والسلسلة كلّها، تتمحور حول جمال اللغة الفرنسية، وقدرتها على الإبداع.

يبدأ اريك اورسونا كتابه «تصنيع الكلمات»، بحكاية اخترعها، مفادها أن طاغية في أحد جزر منطقة الكاريبي، من نموذج المدعو دوفالييه ـ جان كلود دوفالييه، رئيس هاييتي خلال سنوات 1971 حتى 1986 ـ وهو أكثر سوقية منه، رأى أن رعاياه لا يعملون بمقدار ما ينبغي. فقرر أن يدفعهم الى العمل عبر تقليص عدد الكلمات المسموح لهم التلفّظ بها.

وعبر هذا المدخل، يجد اريك اورسونا، أن السيطرة على اللغة المستخدمة، تعني بالوقت نفسه، السيطرة على زمام السلطة. وسلطة اللغة هي أحد المواضيع الرئيسية في هذا العمل. ذلك على خلفية ملاحظة أن اللغة الفرنسية تنحسر، وأن هناك دعوات في فرنسا نفسها، للجوء إلى استخدام اللغة الإنجليزية، لغة العصر. وإحدى تلك الدعوات يسوقها المؤلف على لسان وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي في فرنسا، جنفييف فيورازو. وفي مواجهة مثل هذه الدعوات، يؤكّد اورسونا أهمية النهوض باللغة الفرنسية، وليس الاستسلام.

 ذلك عبر مقاومة كل أشكال إفقار اللغة الفرنسية، من خلال عدم التدقيق في مضمون ما يقال، والاكتفاء بما هو عملي، على غرار الخلط بين وجبة الغداء ووجبة العشاء، تحت عنوان «الطعام». ويلفت أورسونا إلى أن اختراع ـ «تصنيع»، كلمات جديدة، هو دليل واضح على حيوية اللغة. وابعد من ذلك، على حيوية المجتمع. هذا مهما كانت دواعي التصنيع، حسب قاموس العصر السائد، للدلالة على وقائع جديدة أو للتفرّد اللغوي، أو للتعبير عن مفاهيم جديدة فيها بعض التباين عن الأخرى السائدة.

وبعد أن يشير المؤلف إلى ازدهار ظاهرة «تصنيع الكلمات» في اللغة الفرنسية، يتطرّق الى مصيرها.. إذ يكتسب بعضها صفة «الرسمي». ومن ثم تجد تلك الكلمات مكانتها المرموقة في القواميس، وفي الخطاب المستخدم، بينما لا تحصل كلمات أخرى على أي اعتراف بها.

إن اللغات، كل اللغات، مثلما يرى اريك اورسونا بحاجة الى «اللحاق بتطور مجتمعاتها». لذلك وضعت حسب آليات مختلفة، ولكن الهدف واحد في جميع الحالات، ذلك لابتكار كلمات تدل على منجزات التطوّر والتجديد التقني. وبهذا المعنى، تحاول اللغة أن تلبس ثوبا جديدا يتماشى مع مسيرة التطوّر. ويحدد المؤلف، ان احدى المشكلات الكبرى في التعامل مع اللغة، تتمثّل في السياق الحالي، بطريقة تدريسها للطلبة، بحيث تصبح بعيدة عن إثارة أي إحساس لديهم يربطهم بها.

ويرى عضو الأكاديمية الفرنسية، أن اللغة والكلمات، تشكل جزءا من تراث أيّة أمّة، إنها بمثابة وطن حقيقي. بل ويذهب أكثر من ذلك، عندما يكتب: «تبقى اللغة، الشيء الوحيد الذي يحدد بالنهاية، الأمّة. وما الذي يوحّد بلاداً ما؟ عملتها؟ إن اليورو عملة يشترك فيها حوالي عشرين بلدا أوروبيا. الحدود؟ لم تعد هناك حدود في أوروبا. إن وطني هو اللغة».

عموما، يمثل الكتاب، بحثا معمقا، عن الأخطار التي تحيق بأية لغة توقفت عن اختراع كلمات جديدة، تضاف إلى قاموسها. ويرى المؤلف أن رهانات عدم التجدد تتعلّق بالهوية. وهو يحذّر مستخدمي اللغة الفرنسية، من أن معركة اللغة، معركة حقيقية من أجل مكانة فرنسا في العالم.

 

المؤلف في سطور

 

ايريك اورسونا. عضو الأكاديمية الفرنسية. أحد الروائيين والكتاب الفرنسيين المعاصرين ذوي الشهرة العالمية . سبق له وقدّم عددا من الأعمال الروائية والدراسات، منها : في بلاد القطن، قواعد اللغة.. أغنية عذبة .

 

الكتاب: تصنيع الكلمات

تأليف: إريك أورسونا

الناشر: ستوك، باريس، 2013

الصفحات: 144 صفحة

القطع: الصغير

 

 

La Fabrique des mots

Erik Orsonna

stock - Paris- 2013

114 .p