بعد أن قدّم ماتياس كاردي، كتابه الأول عن تجربته مع مشجعي نادي سان جرمان الرياضي لكرة القدم، يدرس في كتابه الجديد، موسيقى "الراب"، لكن من منظور نقدي . ذلك أنه يخالف بشكل كامل المقولة الشائعة القائلة ان الموسيقى الأكثر انتشارا في العالم، عرفت منبتها في الأحياء الشعبية السوداء في الولايات المتحدة الأميركية.

والقول أيضا، إن الغاية منها، الاحتجاج على المظالم التي كان يتعرّض لها الأميركيون ذوو الأصول الإفريقية. يحاول ماتياس كاردي تقديم فهم للراب من منظورات إيديولوجية وسياسية واجتماعية، كانت وراء تشكّله قبل اجتياحه الأحياء الفقيرة الأميركية السوداء، لينطلق منها نحو كل أصقاع الأرض. وبهذا المعنى، لا يناقش المؤلف موسيقى الراب من منظور جمالي أو فنّي، إنما من حيث البحث في ولادة الراب والحوامل الاجتماعية لهذه الحركة الموسيقية.

يشرح المؤلف أنه في سنوات الستينيات من القرن الماضي، عرفت الولايات المتحدة الأميركية اضطرابات اجتماعية، على خلفية معاناة السود من أوضاع اقتصادية صعبة ومن التمييز العنصري . وكان الأميركيون ذوو الأصول الإفريقية قد شرعوا في المطالبة بحقوقهم، ومارسوا أشكالا عديدة في تحرّكهم ابتداء من المطالبة بتطبيق نوع من التعايش السلمي بين مختلف مكوّنات المجتمع.

ويوضح المؤلف أنه نشأ في ذلك السياق، نوع من التحالف بين اليسار الأميركي الجديد، ذي التوجه المسالم ، وبين مجموعات سوداء تنادي بالنضال الراديكالي من أجل حقوق السود. وانتشر تأثير الفهود السود آنذاك، على عموم المجتمع الأميركي، خاصّة على الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية. وبدا ذلك على صعيدي: الفنون والسينما قبل الميادين الأخرى.

وفي مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي، ظهرت أفلام كثيرة، كتبها وأخرجها أميركيون سود، ويشرح المؤلف أنه بعد السينما ظهرت موجة فنيّة جديدة لا تزال سارية المفعول . إذ إعلق أميركي من أصل جامايكي، اسمه كليف كامبيل، الشارع النيويوركي الذي كان يقطن فيه، حيث أراد أن يحتفل بعيد ميلاد أخته الصغيرة. ثم العديد قلّدوه .

وسرت عادة أن يدعو المشرف على الاحتفال الجمهور للرقص، وهكذا حدث الشروع بترديد كلمات مضبوطة الإيقاع، فكانت ولادة "الراب". وقرر المدعو كيفن دونوفان، الذي كان قد أُولع بذلك النوع من الموسيقى، أن يستثمر جهوده في الراب. والعمل على إخراجه من الدوائر المغلقة في الأحياء، من خلال تشكيل فرقة "أمّة الزولو ـ الزولو نيشن". واسمها المستعار "افريكا بامبااتا" .

يبين المؤلف ان الرجل الذي نشر الراب على نطاق واسع، أميركي من أصل إفريقي، كان مؤمنا بإمكانية التحرر عن طريق العيش السعيد . بالتالي لم ير مؤلف الكتاب في أنصار موسيقى الراب، محاربين تحت لواء النضال السياسي وحقوق المساواة. ولكن بالأحرى "مجرّد جنود صغار" من دعاة التحرر من التقاليد.

لكن كيف ولماذا أخذت موسيقى "الراب " مكانة مهمة، في المشهد الموسيقي الأميركي والعالمي؟

يحاول المؤلف في معرض الإجابة، تفسير الأسباب التي سمحت لهذا النوع من الموسيقى، تجاوز جدران الأحياء النيويوركية. وهكذا يشرح، أنه في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، كان اليساريون العاملون في هوليود، قد اختاروا أماكن لقائهم في عدد من علب الليل. وكان بينهم ممثلون ومخرجون ومثقفون وجدوا في "رسالة" موسيقى الراب ما يتماشى مع إيديولوجيتهم. بالمقابل وجد أنصار "الراب" لدى الهوليوديين "شبكات إعلامية" من الطراز الأوّل ـ إذاعة وتلفزيون ـ لنشر فنّهم.

 المؤلف في سطور

 ماتياس كاردي. كاتب فرنسي. اهتم في عالم موسيقى الراب . ذلك، بعد أن قدّم عملا روائيا تحت عنوان "هوليبلاك" . وهو يسهم بالكتابة في دوريات عديدة، من بينها مجلة "نوفيل اوبسرفاتور" الباريسية.

 

 الكتاب: تضليل موسيقى الراب

تأليف: ماتياس كاردي

الناشر: بلانش باريس ـ 2013

الصفحات: 200 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

L effroyable imposture du RAP

Mathias Cardet

Blanche

Paris 2013

200pp