شهدت المكتبات الغربية خاصة والعالمية عامّة، سلسلة من الكتب التي جعلت من الحرب العالمية الأولى، الحرب الكبرى كما شاعت تسميتها، موضوعا لها. ويعود الاهتمام من جديد بهذا الموضوع مع اقتراب الذكرى المئوية الأولى لاندلاع أوّل نزاع مسلّح كوني.

ومن بين آخر الكتب، العمل الذي قدّمه المؤرّخ الاسترالي كريستوفر كلارك، عن تلك الحرب تحت عنوان "السائرون وهم نيام". والذي يحاول فيه الإجابة عن السؤال التالي الذي يشكّل العنوان الفرعي للكتاب، وهو :" كيف دخلت أوروبا الحرب العالمية الأولى عام 1914؟".

إن مؤلف الكتاب لا يبحث الحرب العالمية الأولى من زاوية المعارك التي دارت على أرض القارّة القديمة قبل أن تمتد إلى مناطق العالم. إذ ذهب ضحيتها ما يزيد على 15 مليون قتيل، وعدّة ملايين من المشوّهين وخراب ودمار وكبيرين .

لكنه يبحث بالأحرى، السياق الذي سبقها والأحداث والعلاقات المعقّدة التي دفعت العديد من القادة الأوروبيين، إلى زجّ بلادهم في أتون حرب خرجت منها أوروبا، جريحة ومدمّرة. يعود كريستوفر كلارك، إلى البحث في تفاصيل الأسباب التي دفعت إلى قطيعة حقيقية بين مراكز القرار الأوروبية وعلى رأسها فيينا، عاصمة الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية، آنذاك. وباريس ولندن وسان بطرسبورغ وبلغراد.

إن المقاربة التقليدية لأسباب نشوب الحرب العالمية الأولى تميّز في الواقع، كما يشير المؤلف، بين ما أطلق عليه المؤرخون الأسباب البعيدة أو "البنيوية" للنزاع، والمتمثّلة بشكل رئيسي، في أطماع القوى الكبرى وبمخاوفها. وبين حالة التوتر التي قامت بين الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية وصربيا، خلال الأشهر التي سبقت الحرب. ولكن المؤلف يعطي الأولوية، على عكس المقاربة التقليدية، للخلافات حول مستقبل منطقة البلقان في نشوب النزاع القاتل.

يشير مؤلف الكتاب في السياق ذاته، إلى أن أسئلة كبرى عديدة تطرح نفسها حتى اليوم عن الأسباب الحقيقية التي دعت أوروبا، ممثلة الحضارة الحديثة الصاعدة في مطلع القرن العشرين، الى استخدام السلاح. ويرى مؤلف الكتاب أن أحد أخطاء الساسة الأوروبيين ممن كانوا يتولون قيادة بلدانهم مهما اختلفت أنظمة الحكم، تتمثل في تخليهم عن زمام السيطرة، للجنرالات.

فهؤلاء وجدوا أن مهمتهم الرئيسية إعداد الخطط الحربية وتعبئة القوّات وكأن الحرب كانت هي الخيار الوحيد. وما يخلص إليه المؤلف في تحليله للأزمة التي سبقت نشوب الحرب عام 1914، أن الوضع كان معقّداً إلى درجة عدم إمكانية تقديم إجابات بسيطة. يعود المؤلف في تحليله جذور الأزمة إلى أواخر سنة 1880.

إذ كان يسود في القارّة نظام متعدد الأقطاب، في ظل توازن هش للمصالح بين القوى الإقليمية الكبرى، مع الاحتفاظ بقدر كبير من سيولة التعامل وتبادل العلاقات. وذلك النظام "المتعدد الأقطاب" تكسّرت عراه في السنوات الأولى من القرن العشرينن مع انقسام أوروبا إلى تحالفين: معسكرين.

ويرى المؤلف، مثل غيره من مؤرخين عديدين، أن عملية الانتقال بدأت مع قرار ألمانيا في عام 1890، عدم تجديد عقود للتأمين مع روسيا، ما فتح الطريق أمام تحالف روسي ـ فرنسي عام 1894.

وفي عودة لمرحلة زمنية سابقة، يشرح المؤلف ما يُعرف عامّة بـ "مسألة الشرق"، المتمثّلة في كون الإمبراطورية العثمانية عرفت مسيرة تقهقر طويلة الأمد، منذ بدايات القرن التاسع عشر، وأظهرت عجزها عن السيطرة على مستعمراتها في البلقان، خلقت فراغا في السلطة. ذلك الفراغ خلق فرصاً لزيادة نفوذ روسيا القيصرية. وكان، في الوقت نفسه، مصدر خطر بالنسبة للإمبراطورية النمساوية، بينما كانت دول البلقان الصاعدة، تعيش حالة من الانقسام وعدم الاستقرار.

 الكتاب: السائرون وهم نيام

تأليف: كريستوفر كلارك

الناشر: آلن لين لندن 2012

الصفحات: 736 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

The sleepwalkers

Christppher Clark

Allen Lane ذ London ذ 2012

736 pp.