أمام العديد من الكوارث التي تتكرر في العالم الذي نعيش فيه، مثل: سقوط طائرة أو انهيار بناية أو تحطّم جسر أو تفجر مستودع، تبرز إلى الذهن مباشرة تساؤلات حول «التصميم»، بالنسبة لمختلف الحوادث المعنية. وتبدأ الأقاويل والآراء وأحيانا المعلومات، عن «خلل في التصميم». لكن المهندس والأستاذ الجامعي هنري بتروسكي، يذهب أبعد من ذلك في تحليلات كتابه الأخير: «التسامح حيال التصميم الهندسي»، الذي يتعرّض فيه للبحث عن الإخفاقات الهندسية الأكثر شهرة، في العصر الذي نعيش فيه.
يذكرنا المؤلّف بأحداث انهيارات شهيرة، مثل: المصير الذي عرفه جسر في كويبيك الكندية عام 1907،.
وهناك مشكلة أخرى يشير إليها مؤلف الكتاب، وهي «نقص الخبرة» لدى بعض المهندسين.
ويتعرض هنري بتروسكي في الكتاب، لأحداث عديدة أخرى، مثل: انهيار بناية عملاقة في شنغهاي بالصين عام 2009، وأيضا لأحداث أكثر بعدا عن مجال الهندسة بالمعنى الدقيق للكلمة، إذ نقرأ عن مشكلات التصميم التي كانت وراء غرق السفينة الشهيرة «تيتانيك»، وتسرّب النفط من المنشآت البحرية بالقرب من شواطئ الولايات المتحدة عام 2010.
وفي جميع الحالات المدروسة، يرى المؤلف أنه كان يمكن تجنّب الكوارث. ولكن عملية التداخل الكبيرة بين مختلف القطاعات المشاركة في العمل لـتداخل الأشخاص المعنيين بالمشروع، وتعدد الآلات في إطار منظومات معقّدة، إلى درجة أنه لا يكتشف «الخلل القاتل»، إلاّ في مرحلة متأخرة، و«بعد فوات الأوان». ويضاف إلى تعقيد آليات «تنفيذ» أي مشروع، تعقيد آخر يعود إلى تباينات، وأحيانا تناقضات، ذات طبيعة ثقافية واجتماعية ـ اقتصادية، لها أثرها على تنفيذ أي تصميم.
وفي جميع حالات الكوارث التي يدرسها مؤلف الكتاب، يرى أنها تحتوي كلها على أشكال من الخلل ذي الطبيعة البشرية أو الميكانيكية أو الهندسية. ولا يكتفي بتوصيف الخلل وكيفية تأثيره السلبي، وصولا إلى الكارثة، بل يشرح «ما جرى تعلّمه» من الخطأ.
ذلك في أفق تجنّبه والاستفادة من المعارف الناتجة من فهمه عبر وضعها موضع التطبيق. وبهذا المعنى، ربما يكون هذا العمل ذا فائدة كبيرة بالنسبة للمهندسين ولغيرهم من العاملين في مجال التصميم العلمي. كما أن سهولة العرض وتبسيط المسائل ذات الطبيعة العلمية المعقّدة والاختصاصية، تجعله مفيدا لعموم القرّاء.
وبعد أن يشير بتروفسكي إلى أن الثقافة الأميركية السائدة، تميل نحو تشجيع الأميركيين للاعتقاد أن الفشل ليس أحد الخيارات المطروحة أمام أي عمل، يشرح كيف أنه، أي الفشل، هو خيار يحتمل أنه لا يمكن تجنّبه تقريبا. ذلك على خلفية اعتباره أن مفهوم التصميم هو بجوهره مفهوم إنساني. وكذا فإن تنفيذ أي عمل يتطلّب مشاركة فاعلة بين البشر والآلات. والمهم هو «تجنّب خطيئة الصلف وحتمية النجاح».
إن المؤلف بتروسكي، ومن خلال دراسة التداخل بين البشر والآلات في حدوث الكوارث، من انهيار الجسور إلى حوادث الطائرات وإخفاقات السفن الفضائية، يصل إلى قناعة مفادها أن فهم أسباب الفشل، السبيل الوحيد من أجل النجاح في أفق المستقبل، ثم إن انفجار سفينة الفضاء «تشالنجر» وغرق سفينة تيتانيك وانهيار الأبنية إثر زلزال هاييتي وسلسلة الكوارث الطويلة التي عرفها هذا البلد أو ذاك من العالم، أحداث هي كلها دروس لمن يفهم أسرار حصولها. هذا غير التقارير المزوّرة في أحيان كثيرة والتي تعدّها تبعا لمصالح زبائنها.
المؤلف في سطور
هنري بتروسكي. أستاذ للهندسة المدنية والتاريخ في جامعة ديوك. وهو مهندس في تكوينه الأصلي الجامعي. أسهم في الكتابة في العديد من المجلات والدوريات المتخصصة.
الكتاب: التسامح حيال التصميم الهندسي ... فهم الفشل
تأليف: هنري بتروسكي
الناشر: بلكناب برس، نيويورك ــ 2012
الصفحات: 432 صفحة
القطع: المتوسط
To forgive design : understanding failure
Henry Petroski
Belknap Press ذ New York ذ 2012
432 pp.
