يعد سيلفان تيسون، من فئة "الكتّاب ـ الرحالة". وكان رفيقه الذي لم يفارقه في حلّه وترحاله، هو "دفتره" الذي كان يسجّل عليه لحظة اثر لحظة، ما كان يرى ويتأمّل، وما كان يعتلج في أعماقه أمام مشاهداته، كما في حديثه مع أولئك الذين كان يلتقي بهم.

تلك الكتابات هي المادة التي يتألف منها كتابه الجديد الذي يحمل عنوان "جغرافية اللحظة". ويبدو هذا العمل كمتابعة لما كان قد كتبه في أعماله السابقة التي استقت كلّها مادتها الرئيسية من رحلاته وإقامته في هذا المنطقة أو تلك من العالم.

في هذا الكتاب، مثلما كان في أعماله السابقة، يقدّم سيلفان تيسون نفسه كـ " عاشق للطبيعة "، مشيرا إلى نوع من القرابة تربطه مع الفيلسوف الفرنسي الشهير جان جاك روسو، الذي كان هو الآخر من روّاد الطبيعة، إذ جسّد عبقريتها في روايته: "إيميل".

يضم كتاب "جغرافية اللحظة" عددا من المقالات التي كان تيسون قد نشرها سابقا، خاصّة في مجلة "التحقيقات الكبرى". ولعله من المفيد الإشارة الى ان تيسون هو أحد أعضاء جمعية المكتشفين الفرنسيين، التي من مهماتها التعريف بالشعوب والثقافات، التي لا تزال مجهولة إلى درجة كبيرة.

يحدد المؤلف القول في المقدّمة، إن ما يحتويه كتاب " جغرافية اللحظة"، ثمرة رحلاته ولقاءاته. ويحاول أن يعكس من خلال ذلك صورة العالم كما يراها بشر "لهم رؤيتهم الخاصّة". وفي أحيان كثيرة تبدو الصورة المرسومة مخالفة إلى حد كبيرة للصورة التي يرسمها "العالم المتمدّن" للعالم الذي نعيش فيه. وبالنسبة له، يشبه السفر عملية هروب من السأم، ومن بشاعة ترافق العيش في المدينة. وبالمقابل انبعاث رغبة رؤية العالم.

هكذا نتعرّف في إحدى المساهمات، على أولئك الذين يطالبون بـ"حق التمتّع بالبرودة"، في مواجهة معضلة سخونة الأرض التي تعقد لأجل مواجهتها، منذ سنوات، ندوات ومؤتمرات عالمية. كما نتعرّف في مساهمة أخرى على ذلك العجوز اليمني الذي يقدّم أطروحة خاصّة جدا، في تفسيره لواقع قلّة الطرق الإسفلتية في بلاده.

هكذا، يتعرّف القارئ على جوانب جديدة من روسيا وأيسلندة التي اجتازها سيلفان تيسون، على درّاجة هوائية. وكذا هاييتي ونيويورك وأفغانستان التي أقام فيها عدّة مرّات. ويسرد المؤلف الكثير من الحكايات عن أهل المناطق التي زارها، وكيف يعيشون في زمنهم الذي يبدو أحيانا، خارج الزمن الحديث.

 بل ومفهوم الزمن نفسه، مختلف أحيانا، من مجتمع إلى آخر. يجد القارئ الكثير من الآراء الواضحة والجريئة، عن أحداث الحاضر الراهن، مثل: الحرب في أفغانستان أو عن الواقع الاجتماعي الذي تعيشه المرأة في بلد مثل أفغانستان. ويستعرض المؤلف واقع "نهب القمح والأرز" على الصعيد العالمي، ولمصلحة الأسواق، ذلك على حساب البلدان الفقيرة المنتجة. بهذا المعنى تأخذ بعض المساهمات، في جزء منها على الأقل، بعد الشهادة الحيّة.

ومن الإيجابيات الكبرى التي يؤكّد عليها المؤلف، بالنسبة لأولئك الذين "يعيشون خارج الزمن"، وخارج إطار تبعية المجتمعات المتقدّمة لشبق الاستهلاك، هناك حديثه بأشكال مختلفة عن الهدوء الداخلي الذي ينعم به العديد من سكان المناطق البعيدة التي زارها.

فعلى الأقل، ليسوا مرتهنين لآلة مثل الهاتف النقّال ـ الموبايل ـ الذي يصفه بمثابة رجال شرطة، توضع في الجيوب. ولا يخفي المؤلف أنه من أنصار الانفكاك عن عالم الانترنت وغيره، لفترات من الزمن، ربما تطول أو تقصر.

 

المؤلف في سطور

 

سيلفان تيسون. كاتب وباحث فرنسي. وهو ابن الصحافي الفرنسي الشهير فيليب تيسون. رحّالة وباحث قدّم عددا من الكتب التي لاقت اهتمام النقّاد والرواج النوعي. وفي عدادها: دراسة صغيرة عن الاتساع غير المحدود للعالم، في غابات سيبيريه.

 

الكتاب: جغرافية اللحظة

تأليف: سيلفان تيسون

الناشر: اكواتور- باريس- 2012

الصفحات: 345 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Géographie de lصinstant

Sylvain Tesson

Equateur ذ Paris 2012

345 pp.