لا شك أن جيمس جويس هو أحد أكبر كتّاب القرن العشرين ويتفق النقّاد الأوروبيون على أن إبداعاته تشكّل أحد الأعمال الأساسية في تاريخ الحداثة الأدبية على المستوى الغربي والعالمي أيضا. ومن هنا يمثل كل كتاب يصدر عنه حدثاً يثير الاهتمام. وسيرة حياته الجديدة التي يقدمها الكاتب الإنجليزي غوردون بووكر: "جيمس جويس: سيرة حياة جديدة"، لا تشذّ عن هذه القاعدة. يشير كاتب السيرة بداية، إلى أن جيمس جويس لم يعرف الشهرة المبكّرة ولم تحصل عبقريته على الاعتراف فيها بسهولة. وكان قد عرف في بدايات حياته وحتى سنوات شبابه الأولى، حالة من الفقر والعوز.
ويذهب المؤلف إلى القول انه رغم تأكيد جويس على حالة الفقر المادي التي عاشها في سنوات شبابه، فإنه لم يعرف البؤس الحقيقي أبداً، وأنه وجد دائماً من يدعمه على هذا الصعيد. ويذكر بووكر، نقلاً عن أحدهم، وتأكيداً لما كان قد كتبه ريشارد ايلمان، أنه في عام 1923 منح الثري اهاريت ويفير، جويس مبلغ 21000 ليرة استرلينية، بدافع الإعجاب في موهبته، أي ما يعادل اليوم من حيث القيمة، مليون دولار أميركي.
ولا يتردد بووكر في القول ان جويس لم يكن بالتأكيد أول طالب يضطر الى عدم تناول بعض وجبات الطعام، بانتظار التالية منها، عندما كان يدرس الطب في باريس، حين كان عمره 21 سنة. ويلفت إلى أن وجباته اقتصرت آنذاك، على البيض المسلوق وبعض شرائح اللحم والخبز والزبدة والتين وقطع الشوكولا. ما يمكن قوله، ان غوردون بووكر يذهب أبعد من جميع الذين سبقوه في كتابة سيرة جيمس جويس. وذلك من خلال التنقيب في العمق، في ما يخص "علاقاته المتنوعة" مع بريطانيا.
وكذلك مع ايرلندا، موطنه الأصلي، وعلاقاته أيضا، مع الفكر الديني. وتبقى المادة الأساسية التي يعتمد عليها المؤلف، الأعمال الكبرى لـ"بطله"، وخاصة عمله الشهير: "عوليس". ويجد القارئ توصيفا مقنعا لوجود الكثير من التشابه، بل "التماهي"، بين شخوص أعمال جيمس جويس الإبداعية، وبين نماذجه "موديلاته" في الحياة الحقيقية.
وتتمثل السمة الأخرى التي يؤكد عليها كاتب السيرة، في شخصية جويس، في أنه كان إنسانا معقّدا. إذ استطاع فهم الحياة المعقّدة وجعل أعماله صورة لها. وهو -حسب المؤلف- أحد العوامل الأساسية التي تجعل من جيمس جويس مبدعا حاضرا ومؤثّرا وساحرا، بعد أكثر من قرن كامل على ولادته.
يعيد المؤلف إلى تعقيد شخصية جويس واقع صعوبة فهم نصوصه. ويرى أنه من المهم جدا، معرفة الكثير من التفاصيل عن سنوات حياته في ايرلندا، حيث انه استلهم منها طيلة حياته. وكذا تشكل ايرلندا نفسها "مادة أساسية في أعماله الإبداعية". ويبين أن البيوت التي سكن فيها جويس، ذات يوم، والمدرسة التي تردد عليها، وتفاصيل كثيرة في شخصية والده وحالة الطقس.. أنها جميعها، كما يقول المؤلف، أشياء ايرلندية، تجد ما يشبهها في أعمال صاحب "عوليس".
لم يكن جيمس جويس بائسا، على الصعيد المادي، كما كان يزعم باستمرار. لكن مؤلف هذا الكتاب يؤكد في الوقت نفسه، أنه عانى من ضعف النظر. وذلك إلى جانب معاناته من ألم مزمن على الصعيد النفسي- العاطفي، بسبب وقوع ابنته الغالية على قلبه "لوسيا"، في براثن مرض عقلي.
ويوضح كاتب السيرة أن إخلاص جويس الأول كان لـ"الكتابة". ذلك حتى النهاية.
ويوضح المؤلف ان أقسى ما عاناه جويس، الكاتب، "الرقابة الشرسة، الرسمية أو غير الرسمية". وهكذا صدر عمله الشهير "عوليس" في عام 1922. لكن لم يسمح بتداوله سوى في عام 1934، في الولايات المتحدة الأميركية، وعام 1936 في بريطانيا. كما واجه جويس حملات نقد وتجريح عنيفة.ويشرح بووكر أن جويس أثار الحماس عينه، سلباً، لدى الحاقدين عليه، وإيجابا، لدى المعجبين به، ومن بين هؤلاء (المعجبون): الشاعر دبليو ب. بيتس.
المؤلف في سطور
غوردون بووكر كاتب ومسرحي بريطاني. جعل من كتابة سير كبار الكتاب، موضوع اهتمامه الأول. وقدّم أعمالاً متنوعة، عن سير حياة: لورانس دوريل، مالكولم لوري، جورج اورويل.
الكتاب: جيمس جويس، سيرة حياة جديدة
تأليف: غوردون بووكر
الناشر: فارار وستروس وجيرو- نيويورك 2012
الصفحات: 656 صفحة
القطع : المتوسط
James Joyce : a new biography
Gordon Bowker
Farrar, Straus and Giroux- New York ذ 2012
656 pp

