«عندما كنت شاباً يافعاً، لم أسمع، أنا وأصدقائي، ما يشير إلى مدينة ديترويت في الثقافة الشعبية الأميركية. ويدل هذا على أنها ذات مكانة خاصة». هكذا يبدأ الصحافي مارك بينيللي، كتابه عن مدينة ديترويت الأميركية، التي يكرّس لها كتابه: «ديترويت، مدينة للحياة».
ترعرع مارك بينيللي، مؤلف الكتاب، في إحدى ضواحي مدينة ديترويت، خلال سنوات السبعينات من القرن الماضي. وهذه المدينة، كما يرسم ملامحها، تعيش الآن حالة من التقهقر، على صعيد نموّها في مختلف الميادين، بعد أن كانت قد جسّدت لفترة، الحلم الأميركي بوجود صناعة السيارات، وشيوع ثقافة الاستهلاك.
ويبين المؤلف ان مظاهر «الانحسار» واضحة على المدينة، التي بلغ عدد سكانها مليوني نسمة في أوج ازدهارها. هذا بينما تدل العملية الإحصائية الأخيرة عام 2010، على أنها لم تعد تعدّ أكثر من 000. 700 نسمة. ومظهر آخر للانحسار، هو وجود مساحات شاسعة شاغرة لا سكان فيها، وكذا فإن المباني مهجورة .
. هذا في الوقت الذي يمكن فيه تحويل تلك المساحات الشاغرة، إلى حدائق عامة. ويلفت المؤلف في هذا السياق، إلى أن كُثرا يقولون بإمكانية تحقيق مشاريع عمرانية عديدة، في أفق عام 2030. لكن المشكلة تكمن في توفّر الأموال الضرورية. يؤكد المؤلف أن ديترويت كانت أيضا مدينة الحدائق الباهرة.
حيث كان يؤمّها السائحون ليتأملوا تلك المباني الحديثة التي كانت تشكّل «آخر صيحات الهندسة المعمارية»، مثل: «المقر العام، العالمي، لشركة كرايزلر»، «شركة فورد لصناعة السيارات». أما الآن فتبدو مدينة مهجورة إلى حد كبير.
ويوضح المؤلف أن التسمية التي أطلقوها سابقا على مدينة ديترويت: «مدينة المستقبل». إذ كانت الأعمال التجارية والصفقات فيها، مزدهرة جدا. وهكذا فإنها كانت محط أنظار الجميع . ومن التوصيفات التي يكررها المؤلف للمدينة، أنه كان يُراد لها أن تكون أكبر مدينة للطبقة العاملة على صعيد العالم كله.
ويتذكّر في هذا السياق، أن أهله قدموا من إيطاليا بينما كان أحد جيرانهم من بولندة والآخر من لبنان والثالث من المكسيك. وبهذا المعنى أيضا، كانت مدينة ديترويت مكانا لإمكانية تحقيق «الحلم الأميركي» لجموع المهاجرين القادمين من مختلف مناطق العالم.
هذا إلى جانب كونها «رمزا للحداثة». وينتقل المؤلف لإيضاح حقيقة أن ديترويت تأثرت كثيرا بالأزمة التي عانت منها صناعة السيارات، منذ النصف الثاني من القرن العشرين. فعلى خلفية تلك الأزمة الاقتصادية، برزت توترات بين السود والبيض، كتعبير عن المنافسة على فرص العمل. وبالتوازي، عرفت المدينة ظهور مختلف أنواع التجارات المحظورة.
فغدت شيئا فشيئا، مكانا مرعبا مع تفشي الجريمة والعنف والفوضى بشكل عام. ومن ثم زادت الأمور سوءا في العقود التالية، وتحولت الاحتفالات الشعبية التي كانت ترمز الى تآخي سكان المدينة، إلى «مهرجانات لحرق السيارات في عموم المدينة كل سنة». ويشدد المؤلف على أن «المنظومة المدرسية» في ديترويت بقيت الأكثر رداءة في الولايات المتحدة.
وهذا لا يبدو بعيدا عن واقع أن معدل الجرائم هو أيضا الأعلى في البلاد، بواقع 40.7 عملية قتل لكل مئة ألف نسمة، في عام 2008. كما صنّفتها مجلة «فورب» الشهيرة، أنها المدينة الأميركية «الأكثر خطورة» في السنة ذاتها، بواقع 1220 جريمة عنف لكل 000. 100 نسمة.
وفي الوقت عينه، يتراجع دور أجهزة الشرطة وأجهزة إطفاء الحرائق، رغم أن المدينة عرفت 000. 900 حريق في عام 2008، أي ضعف عدد الحرائق في مدينة نيويورك، التي تفوقها بعشرة أضعاف من حيث عدد السكان.
المؤلف في سطور
مارك بينيللي. كاتب أميركي. من مواليد مدينة ديترويت، أكبر مدن ولاية ميتشيغان الأميركية . وهو من أصل إيطالي. يعيش في نيويورك. قدم عددا من الروايات، من بينها: «ساكو وفنزيتي: الأيام الأخيرة».
الكتاب: ديترويت، مدينة للحياة
تأليف: مارك بينيللي
الناشر: ميتروبوليتان بوك، نيويورك ــ 2012
الصفحات: 318 صفحة
القطع : المتوسط
Detroit city is the place to be
Mark Binelli
Metropolitan Books- New York ذ 2012
318 pp.
