شاعت في العقود الأخيرة، فكرة مفادها أن الكوليسترول في دم الإنسان أحد أكبر مصادر الخطر على صحته وعلى حياته، ذلك كونه، حسب الزعم الرائج، يساعد على تصلّب الشرايين وعلى "انسدادها". وبالتالي الإصابة بالنوبات القلبية أو الدماغية، أو غيرها. وبناء على مثل هذه الفكرة، شاع استخدام أدوية الـ"ستاتين" التي تسهم في خفضه.
وفي هذا السياق، يختار الأستاذ السابق في الطب، فيليب ايفن، طرح آرائه في هذا الكتاب، بخصوص الموضوع، إذ يسبح فيه "ضد التيار" السائد، مؤكدا أن نسبة الكوليسترول في الدم لا علاقة لها أبدا، بالأمراض والأزمات الوعائية.
وعلى عكس كل ما يقال عن الكوليسترول يشرح المؤلف- الطبيب، أنه "لا بد منه من أجل الحياة"، بل هو أحد العناصر الأكثر أهمية من أجل العمل الجيد لعدد من الوظائف في الجسد، بل إنها "الأكثر نبلاً" والأكثر ضرورة بالنسبة للحياة. ذلك أنها لعبت، ولا تزال، دورا أساسيا في تطوّر الحياة على الأرض. وفي حماية خلايانا ضد الأكسجين الذي يميل الى حرقها.
إن فيليب ايفن يتعرّض في هذا العمل إلى "تفنيد" 45 تجربة أجريت على عقاقير ستاتين المكرّسة لتخفيض نسبة الكوليسترول في الدم. ويخرج من هذا كله بالقول، إن كل تجربة من هذه التجارب تحتوي بطريقة ما، وغالبا في عدّة طرق، على عدد من "الأفخاخ" و"الأوهام". وتخفي الكثير مما تتوصّل إليه. هذا خاصة في ما يتعلّق بما تمارسه شركات صناعة الأدوية من تزوير، من أجل غاية واحدة، وهي الربح.
ويلفت المؤلف إلى أن شركات تصنيع الأدوية الكبرى، تسهم في أسواق البورصات، وتعرف أن أنظار "وول ستريت" تتوجه إليها، وبالتالي تريد توسيع سوقها إلى أكبر درجة ممكنة. والوسيلة الأسهل للوصول إلى ذلك، إجراء تجارب على أدوية جديدة، طالما أن النظريات السائدة في العالم الطبي عن الكوليسترول لم يشكك بها. وبالتالي، يبقى هدف "تخفيض نسبة الكوليسترول في الدم، قابلا للاستثمار تجاريا". وعقاقير الـستاتين تؤدي هذه الوظيفة.
يؤكد فيليب ايفن، بشواهد من الواقع، أنه منذ سنوات التسعينيات في القرن الماضي، لم يعد صانعو الأدوية يبحثون عن "مرضى تجاربهم" لدى المستشفيات الجامعية. ولكن إلى مؤسسات متخصصة بذلك. إذ بلغ عددها حوالي 1000 مؤسسة في مختلف أنحاء العالم. وتدفع هذه المؤسسات، مبالغ مالية مهمة، لأطباء ممارسين، ليقوموا بـ"تجنيد" مرضى وإعداد ملاحظات.
وهناك مشكلة حقيقية تصطدم بها تجارب الأزمات القلبية وتصلّب الشرايين، تتمثل في طول المدة التي تحتاج إليها، هذا خاصة أنها تصيب غالبا الطاعنين بالسن.. والصانعون ليس لهم مصلحة في إطالة مدة التجارب، وبالتالي زيادة كلفتها. ثم إن إطالة التجربة تزيد من مخاطر بروز ما يسمّى بلغة الطب بـ"الآثار الجانبية" للأدوية. وغالبية التجارب يراد لها ألا تستمر أكثر من : ما بين عامين إلى خمسة أعوام. وفي كل الحالات يتم الخروج بعدد من النتائج التي تذهب عامة في صالح شركات تصنيع الأدوية.
وبناء على عدد من الإحصاءات التي يلجأ إليها المؤلف، يشير إلى أن أكثر من خمسة ملايين من الفرنسيين يتناولون أدوية من أجل تخفيف نسبة الكوليسترول في الدم. وهذا يعني بكل بساطة أنهم يؤمّنون عدة مليارات من اليورو، كل عام، لتغذية صناديق شركات تصنيع الأدوية. ولا يتردد المؤلف في القول، ان هذا لا يقوم على أية معطيات صحيّة تبرر ذلك. بل العكس هو الصحيح.
ويشرح في هذا الصدد، أن الكوليسترول هو أحد العناصر الأكثر ضرورة للحياة، وأنه "ليس هناك كوليسترول سيئ أو كوليسترول جيد، بل هو كله جيّد. ويرفض بالتالي كل ما قيل ويقال ويكرر، عن أن الكوليسترول هو سبب الخثرات الدماغية التي تسبب الشلل أو الازمة القلبية (المميتة في أحيان كثيرة).
كذلك يشدد في السياق عينه، على أن كل أنواع الحميات الغذائية الريجيم- لا تبدّل شيئا في "إيقاع" تكرار الأزمات القلبية والحوادث الوعائية المفاجئة. ويبدي الكثير من الشكوك حيال الأدوية المكرّسة لتخفيض نسبة الكوليسترول في الدم.
المؤلف في سطور
كان فيليب ايفن، عميدا لكلية الطب "نيكير" في باريس. وهو أحد الأطباء الفرنسيين المعروفين عالميا. سبق له أن قدّم، مع برنار دوبري (أستاذ أمراض جهاز البول في الجامعات الفرنسية)، كتاباً بعنوان: "دليل 400 من الأدوية المفيدة.. أو غير المفيدة أو الخطيرة".
الكتاب: الحقيقة حول الكوليسترول
تأليف: فيليب ايفن
الناشر: شيرش ميدي- باريس- 2013
الصفحات: 377 صفحة
القطع : المتوسط
La vérité sur le cholestérol
Philippe Even
Le Cherche Midi- Paris- 2013
377 pp

