مرسيليا هي أشهر ميناء فرنسي على البحر الأبيض المتوسط، وأحد أقدم الموانئ في العالم. لكنها ترتبط في أذهان الكثير من الفرنسيين اليوم، بأنها مدينة كرة القدم و«رجل الأعمال برنار تابي» و«مجال تصفية الحسابات بين عدد من العصابات الإجرامية» و«مدينة المهاجرين بامتياز»، خاصة من بلدان شمال إفريقيا العربية: تونس والمغرب والجزائر، أي البلدان التي كانت تابعة للاستعمار الفرنسي.

لكن هناك صورة أخرى لمرسيليا يرسمها أحد أبنائها، الصحافي الشاب كزافييه مونييه، الذي وُلد وترعرع في المدينة. وهو يمارس فيها، عبر الموقع الإلكتروني الإعلامي الذي ساهم في تأسيسه ويدعى «بخشيش»، صحافة التحقيقات في ما يخص النشاطات التي يمارسها أهل المدينة، مثل رياضة «الكرات الحديدية» التي ينظم أكثر من دوري لها سنوياً.

كذلك «يتقصّى» مؤلف الكتاب عن القضايا التي عرفتها مرسيليا خلال السنوات الأخيرة، مثل البحث في كواليس نادي «أولمبيك مرسيليا» لكرة القدم، وقضية «غيريني» وما رافقها من حرب عصابات، وتوصيف خفايا عالم السياسة، وارتباطه بعالم الأعمال والصفقات في مرسيليا.

ما يؤكّده المؤلف حول هذه المسائل والقضايا كلها، أن «أهل مرسيليا يعلمون كل شيء، تقريباً، عنها ولكن لا أحد يقول شيئاً»، كما نقرأ. ثم يؤكد مباشرة أنه لا يكتفي بمعرفة الكثير، ولكنه يكتب كل ما يعرفه.

ويصرّح كزافييه مونييه أنه حريص على أن يقدم صورة لمدينته بكل ما فيها من «مكامن الجمال» ومن «أشكال الفوضى»، إلى جانب محاولة فهم المنظومة التي تكبح المدينة الفرنسية الثانية بعدد السكان، عن التقدّم. ومن السمات الأساسية التي يتميّز بها أهل مدينة مرسيليا هو أنهم يحافظون على درجة عالية من التضامن بينهم، على خلفية العلاقات العائلية.

وسمة أخرى يؤكدها المؤلف في صورة مرسيليا، أنها «مدينة معقّدة» تجمع بين الحيوية والإشعاع والشمس المشرقة. وهي قبل كل شيء مدينة غنيّة ومنفتحة على العالم.

وأما «نقطة الضعف» الأساسية للمدينة، فإنها تتمثل في «منظومة المحسوبيات» التي تسيطر على ذهنية رجال السياسة المرسيليين.

بعد توصيف مسهب لمختلف المشكلات التي تعاني منها المدينة، يحدد المؤلف القول إن من ينقذ المدينة، هم أهلها «المرسيليون الذين يحبّون مرسيليا». وهذا يتطلّب بالضرورة، وقبل كل شيء، أن يجدوا أمامهم أفقاً مفتوحاً، ومناخاً من الثقة، للقطيعة مع المنظومة التي أرسى أسسها غاستون دوفير، السياسي الفرنسي الذي كان مقرّباً من الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران، إذ كان رئيس بلدية «عمدة» مرسيليا، ووزيراً للداخلية في فرنسا خلال عدة سنوات.

ويوضح المؤلف أن الصورة الشائعة عن مرسيليا قاتمة سوداء. مع ذلك هو يريد أن يقدم لها صورة فيها «الكثير من الإشعاع». ويجد أنه تكمن الحلول في توفير فرص العمل، خاصة بالنسبة لأبناء الأحياء التي تعرف نسبة عالية من تفشّي ظاهرة البطالة. كذلك في «تنشيط الاقتصاد الحقيقي على حساب اقتصاد الظل».

مرسيليا مدينة فيها الكثير من «العنف»، هكذا يقرّ المؤلف. ثم يلفت إلى أنه لا ينبغي التوقف عند القول بوجود هذه الظاهرة المقلقة، بل بالأحرى، محاولة فهم أسباب هذا العنف، والإشارة في هذا السياق، إلى أن مرسيليا مدينة كبيرة تضم نحو مليون نسمة. وأن 30 بالمائة من سكانها يعيشون في مستوى «دون عتبة الفقر».

 وفي مثل هذا الواقع ليس غريباً أن تزدهر تجارة المخدرات والعنف المرافق لها. ويقول المؤلف هنا: «دور الدولة لا ينبغي أن يقتصر على حضور الشرطة، ولكن أوّلاً وأساساً على حضور التربية والتعليم والصناعة.. وأن يجري الاستثمار في هذه القطاعات. هذا على الرغم من الإدراك أن مثل هذه الاستثمارات تتطلّب وقتاً طويلاً كي تثمر».

يطرح المؤلف هذه الآراء في إطار ما يبدو بمثابة مشروع لإنقاذ مرسيليا والدفاع عنها، حيال كل ما يكشفه من نقاط ضعفها، ومن أوجه الخلل في منظومة إدارتها. لكن يبقى الأكثر سحراً والأكثر أهمية في ألوان مرسيليا، هي ظلالها، كما ينقل المؤلف عن أحد الكتّاب «جان كلود ايزّو». ويبدو أنه، أي المؤلف، لم ينس أبداً هذه الرسالة.

 المؤلف في سطور

 كزافييه مونييه، صحافي فرنسي. وُلد وترعرع ويعيش في مدينة مرسيليا، على الشاطئ الفرنسي للبحر الأبيض المتوسط. أحد مؤسسي الموقع الإلكتروني «بخشيش» ويرأس تحريره. هذا هو كتابه الأول.

 الكتاب: مرسيليا، مدينتي

تأليف: كزافييه مونييه

الناشر: ليزارين- باريس- 2013

الصفحات: 350 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Marseille, ma ville

Xavier Monnier

Les Arènes - Paris- 2013

350 .p