عندما توفي فرانكو في إسبانيا، ساد الاعتقاد لدى أغلبية المراقبين أن النظام الذي جاء بعده سيتابع نهج سياسته نفسه، بقيادة الرجل الذي اختاره كي يتولّى السلطة بعده، أي خوان كارلوس، لكن منذ التصريحات الأولى لقائد إسبانيا الجديد، بدا بوضوح أنه يبتعد عن ذلك الاعتقاد السائد. وأنه سيجسّد بعد فترة قصيرة من توليه الحكم إسبانيا الحديثة الديمقراطية، وسيرة حياة خوان كارلوس، ملك إسبانيا، هي موضوع كتاب الباحثة لورنس دوبراي، المتخصصة، منذ سنوات، في التأريخ لفترة وجوده على رأس السلطة.
تتوزع مواد الكتاب بين عشرة فصول، تتعرض المؤلفة في كل منها إلى مرحلة من مراحل حياة حكم خوان كارلوس، ابتداء من فترة المنفى، حيث كان مولده خارج بلاده قبل الحرب العالمية الثانية، وفي الوقت الذي كان يمارس فيه الجنرال فرانكو حكماً دكتاتورياً أصبح أحد أمثلة الاستبداد في التاريخ الحديث، ووصولاً إلى فترة السنوات الأخيرة، ومروراً بفترة زواجه بصوفيا ابنة ملك اليونان. والسنوات الصعبة التي أمضاها وهو ينتظر اكتساب مكانته القانونية كملك.
نال خوان كارلوس لقب ملك إسبانيا رسمياً عام 1975، عندما كان عمره 37 سنة. وقد فاجأت قراراته الأولى الجميع، حيث كرّس النظام الديمقراطي وأعطى شرعية قانونية لنشاط الحزب الشيوعي الإسباني ورواجه بقوة، بعد ذلك محاولة الانقلاب التي حاول بعض ضباط الجيش الإسباني القيام بها.. وإنهاء نظام حكمه عام 1981. ما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب هو أن إسبانيا عرفت في ظل حكم خوان كارلوس كيف «تضمّد جراحها»، التي ظلت تنزف منذ الحرب الأهلية بين الفرانكيين والجمهوريين. ودخلت البلاد معه في عصر الحداثة.
تحدد كاتبة السيرة، أن منعطفاً كبيراً عرفه مسار خوان كارلوس على رأس بلاده في شهر فبراير من عام 1981، أي بعد أكثر من خمس سنوات على وفاة الجنرال فرانكو. إذ حاول بعض كبار ضباط الجيش تنفيذ انقلاب عسكري. ووجد الملك نفسه معزولاً، إلى درجة كبيرة، لكنه عرف آنذاك أن عدداً من الضباط يقفون على الحياد، حيال الحركة الانقلابية. استطاع بسلوكه، وفي مدّة لا تتجاوز الأربع وعشرين ساعة، أن يثبت بجدارة، صفاته كـ«قائد حكيم بلغ درجة عالية من النضج تليق بمرتبته وبدوره».
توضح المؤلفة أن خوان كارلوس كان قد تولّى صفة «رئيس الدولة بالإنابة»، خلال فترة مرض الجنرال فرانكو عامي 1974 و1975. وإذا كان قد اكتسب لقب «ملك إسبانيا» بعد يومين من وفاة الجنرال، الدكتاتور، فإنه ثبّت مواقعه بعد فشل المحاولة الانقلابية العسكرية التي قادها العقيد تيخيرو.
وبعد فشل ذلك الانقلاب، رفع العديد من خصوم الملك السابقين شعار «نسأل الله حماية الملك»، كما ينقل عن القائد الشيوعي سانتياغو كوريللو. وبعد أن كانت القوى الديمقراطية الإسبانية وأحزاب اليسار قد أظهرت تحفّظها، أصبحت تعلن بوضوح دعمها «غير المشروط» للملك.. أصبح جميع الإسبان «ملكيين».
إن ذلك الدعم الكبير الذي حظي به الملك من قبل شعبه الإسباني قام على عدة دعائم أساسية، كما تشرح المؤلفة، في مقدمها تجسيده صورة «الملك الحديث» والسياسي العنيد وأفضل سفير لبلاده في جميع أنحاء العالم. ثم هــو قبــل كل شيء القائد الذي استطاع، رغم كل الشكوك التي كانت تحيط به وبقدراته القيادية، أن ينقل بلاده من ديكتاتورية فرانكو إلى النظام الديمقراطي، بالتزامن والترافق مع إعادة التقاليد الملكية لإسبانيا.
ما تشرحه المؤلفة بإسهاب في هذه السيرة، أن خوان كارلوس كان أسيراً بين عدوّين تاريخيين، هما والده وفرانكو، ثم أصبح منافساً لأبيه على العرش. وهو الذي أنهى ديكتاتورية فرانكو ونظامها. واستطاع بالمحصلة، أن يشيد منظومة سياسية حديثة، من دون التخلّي عن الماضي، وحقق استمرار حكم سلالة البوربون في إسبانيا، وعرف وسط هذا كله، كيف يحيط نفسه بعدد من الشركاء في الجيش، ولدى مختلف القوى السياسية.
المؤلفة في سطور
لورنس دوبري. كاتبة وباحثة من أم فنزويلية وأب فرنسي هو المفكر والفيلسوف ريجيس دوبري. تعيش بين فرنسا وإسبانيا. خريجة جامعة السوربون، حيث قدّمت أطروحة عن الانتقال الديمقراطي في إسبانيا ونشرتها في كتاب في إسبانيا عام 2000. أكملت دراساتها في مدرسة لندن للاقتصاد. عملت في عالم المال والأعمال في نيويورك وباريس، قبل أن تولي كل اهتمامها للبحث حول سيرة حياة الملك الإسباني خوان كارلوس.
الكتاب: خوان كارلوس، ملك إسبانيا - سيرة حياة
تأليف: لورنس دوبري
الناشر: بيران- باريس- 2013
الصفحات: 410 صفحة
القطع: المتوسط
Juan Carlos dصEspagne
Laurence Debray
Perrin - Paris- 2013
410 .p

