غيّرت الثورة الرقمية الكثير في حياة البشر، واجتاحت شبكة الإنترنت مساحة الوقت بالنسبة للملايين في مختلف أنحاء العالم. إذ أصبحت، إلى جانب التلفزيون، شرطاً ملازماً لنمط العيش الحديث.
وفي مواجهة مثل هذا "الاجتياح"، قررت الصحافية سوزان موشيرت أن تعيش مع أطفالها المراهقين الثلاثة، تجربة "في الاتجاه المعاكس"، جوهرها تخلّيهم بصورة كاملة شاملة عن استخدام أية شاشة، أكانت لحاسوب أو شاشة تلفزيون أو أي نوع آخر من أنواع الشاشات. وتلك التجربة هي موضوع كتابها الأخير، الذي يحمل عنوان "شتاء ابتعادنا عن عالم الشاشات" الصادر في عام 2011، والذي صدر بنسخة جديدة في العام التالي.
تصف المؤلفة مشروعها المنزلي في التخلي الكامل عن كل ما يربط بالعالم عبر شاشة، إن كان ذلك هاتفاً نقّالاً خليوياً- أو حاسوباً أو جهاز تلفزيون أو شاشة للألعاب المصوّرة، أو غير ذلك "من العائلة ذاتها". وفي المقابل كان من المسموح استخدام حواسيب المدرسة أو تلفزيون الأصدقاء، "لكن التكنولوجيا جرى إخراجها" بصورة كاملة من المنزل.
تؤكد المؤلفة أن التجربة كانت قاسية في البداية. ذلك أنه كان ينبغي التخلّص من سلطان العادة، أو ربما من حالة تشبه إلى حد كبير، الإدمان. ولم يكن سهلاً في البداية، الابتعاد خاصة عن مشاهدة التلفزيون واستخدام شبكة الإنترنت. وكان الضجر هو الإحساس المسيطر في البداية قبل أن يحلّ مكانه، شيئاً فشيئاً، الإحساس بالتقارب بين أفراد الأسرة، وتبادل الأحاديث والهموم كـأسرة، بدلاً من العيش قبل ذلك، كأفراد يعيش كل منهم في عالمه. وبالتوازي، ظهرت اهتمامات جديدة، مثل: تحضير الطعام جماعياً، التعلّم على استخدام آلة موسيقية أو قراءة كتاب. وفي كل الأحوال جرى الشروع من جديد، بتبادل محادثات طويلة حميمة، بين مختلف أفراد الأسرة.
تروي مؤلفة الكتاب، الكثير من الحكايات عن كيفية تأقلم كل فرد من أفراد الأسرة، مع عالم "من دون تكنولوجيا". هكذا نعرف أن الابنة المراهقة ذات الأربعة عشر ربيعاً، أصبحت تخلد إلى النوم وكأنها تريد تعويض فترة طويلة من السهر أمام هذه الشاشة أو تلك.. غادرت التكنولوجيا المنزل. فعاد النوم إلى تلك المراهقة.
لكن "عدم تمجيد" الحياة من دون شاشات، لا يمنع واقع تأكيد المؤلفة، بأشكال مختلفة، أنها تحس بشيء من القلق حيال ما يستهلكه "إدمان" الشاشات من وقت. هذا ما تعبّر عنه بوضوح عندما تكتب: "إنني أحسّ بالقلق من أجل أطفالي ذلك بسبب الطريقة التي يستخدمون فيها وقتهم وحيّزهم المكاني وعقلهم".
وتخرج من ذلك بالتشديد على وجود ميزات حقيقية في تبنّي "نمط حياة مبسّط عبر الانسحاب من الحياة الاجتماعية لفترة من الوقت بعيداً عن "العالم الرقمي". هذا هو بالتحديد الدرس الذي تخرج فيه من تجربة "الانزواء" التي عاشتها مع أبنائها الثلاثة، خلال ستة أشهر. ولا تتردد في التأكيد أنهم عززوا أثناء ذلك كونهم يمثلون كياناً أسرياً، بل تحولوا إلى "كيان أسري".
ولا تكتفي مؤلفة الكتاب باستعراض الكثير من التفاصيل الدقيقة للتجربة التي عاشتها مع "أسرتها"، إنما تستعرض أيضاً في الصفحات الأخيرة منه، الأبحاث الأخيرة الخاصة بـ"وسائل الإعلام الحديثة". إذ شاهدت خلال سنوات عدة، وسائل الإعلام المرئية. وأدركت عمق العلاقة بين "العالم الافتراضي" و"العالم الحقيقي"، حسب ما يتردد في العديد من المساهمات في هذا الميدان.
وتنتهي سوزان موشيرت إلى القول إن تجربة الابتعاد عن "عالم الشاشات"، كانت لها نتائج في غاية الأهمية، بالنسبة للذين عاشوها. نقرأ: "غيّرت الطريقة التي نأكل فيها وننام فيها. وطريقة تعاملنا فيما بيننا، وطريقة لعبنا. وفي المحصّلة، إن عملية فرضنا على أسرتنا العزلة عن عصر المعلوماتية، غيّرت حياتنا بشكل أكيد، وبشكل أكيد أيضاً، غيّرتنا نحو الأفضل".
المؤلفة في سطور
سوزان موشيرت، صحافية أميركية. تحمل شهادة الدكتوراه من جامعة نيويورك في علم اجتماع وسائل الإعلام. أمضت شطراً من حياتها في آيسلندا، حيث عاشت مع أطفالها تجربة المقاطعة التامّة.
الكتاب: شتاء ابتعادنا عن عالم الشاشات
تأليف: سوزان موشيرت
الناشر: بروفايل بوك - نيويورك 2012
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
The winter of our deconnect
Susan Maushart
Profile Book- New York ذ 2012
288.p
